لندن | تقرير || سلطت صحيفة "الغارديان" البريطانية الضوء على قصة شاب يمني لخّصت رحلته مأساة جيل كامل من الشباب في اليمن؛ إذ تمكن من الوصول إلى المملكة المتحدة بعد رحلة هجرة غير نظامية مرعبة، فراراً من جحيم ممارسات ميليشيا الحوثي الارهابية، التي حاولت تجنيده قسراً واختطفته وعذبته بتهم جاهزة.
وفي شهادة مؤثرة نشرتها الصحيفة، واستخدمت فيها اسماً مستعاراً للشاب حفاظاً على سلامة عائلته في الداخل، روى الناجي تفاصيل ومحطات رحلته التي وصفها بأنها "سلسلة من المعجزات للنجاة من الموت المحقق".
المحطة الأولى: طفولة مفخخة بالبارود واختطاف بتهمة "التجسس"
تفتحت عينا الشاب على أتون الحرب عام 2014، حيث تحولت مدينته إلى ساحة قتال مفتوحة. وفي أولى صدمات حياته، روى كيف فقد ثلاثة من أصدقاء طفولته دفعة واحدة، إثر انفجار مقذوف من مخلفات الحرب غير المنفجرة، كانوا يظنونه مجرد قطعة معدنية صالحة للعب.
ومع كبر سنه، امتهن الشاب التصوير الفوتوغرافي، وهي المهنة التي تحولت في مناطق سيطرة الحوثيين إلى خطيئة؛ حيث أقدمت الميليشيا على اختطافه وإيداعه الزنازين بتهمة "التجسس والعمالة لصالح بريطانيا والولايات المتحدة". وداخل المعتقل، تعرض لشتى أنواع الضرب والتعذيب النفسي والجسدي، لرفضه الانصياع للضغوط الحوثية الرامية لإجباره على الالتحاق بجبهات القتال كوقود لحربهم.
المحطة الثانية: رحلة العبور الكبير عبر القارات
في عام 2023، وبعد أن ضاقت به السبل واستمرت الملاحقات الحوثية لتجنيده، قرر الشاب مغادرة اليمن متوجهاً إلى مصر كخطوة أولى، ومنها بدأت فصول رحلة الهجرة غير النظامية الشاقة نحو القارة العجوز:
• تركيا واليونان (مواجهة الغرق): عبر من تركيا إلى اليونان بحراً، حيث كاد يغرق في سياق محاولته البطولية لإنقاذ مهاجرين آخرين انقلب قاربهم.
• الغابات الفرنسية (بين رصاص المهربين): واصل رحلته براً حتى وصل إلى فرنسا، وهناك شهدت الغابات والمناطق الحدودية مواجهات وإطلاق نار كثيف بين عصابات تهريب البشر، نجا منها بأعجوبة.
• بحر المانش (المعبر الأخير): ركب البحر مجدداً في قوارب الموت الشهيرة ليعبر القنال الإنجليزي وصولاً إلى شواطئ المملكة المتحدة.
الأمان الأول وبكاء على الوطن المستباح
نقلت "الغارديان" عن الشاب مشاعره المختلطة عقب وصوله إلى الأراضي البريطانية؛ حيث أكد أنه تنفس الصعداء وشعر بـ"الأمان" للمرة الأولى منذ أكثر من عقد من الزمن، مستقراً في بلد بعيد عن أصوات المدافع وسياط السجانين.
الشاب اليمني في حسرة: "اليمن بلدي كان جنة حقيقية.. لكنها للأسف وقعت في أيدي الشيطان. ورغم الأمان الذي أعيشه هنا ورغبتي في بناء حياة جديدة، إلا أن قلبي يتفطر حزناً على مآلات الأوطان"
يعكس هذا التقرير، بحسب حقوقيين، ما وراء الأرقام الجافة لضحايا الحرب في اليمن؛ إذ يظهر كيف تدمر الميليشيات الأحلام وتدفع بالكفاءات الشابة والمبدعة إلى رمي أنفسهم في قوارب الموت بحثاً عن حق أصيل، وهو حق "الحياة والأمان".