عدن | متابعات : وضعت التحقيقات الأمنية المكثفة التي تجريها سلطات العاصمة المؤقتة عدن في جريمة اغتيال مدير الصندوق الاجتماعي للتنمية، الخبير التنموي وسام قائد، نقطة النهاية لمرحلة التكهنات السياسية، لتفتح الباب على مصراعيه أمام حقائق أمنية مدعمة بالأدلة والاعترافات المسجلة. إذ تكشف خيوط الجريمة عن تنامي "مقاربة إرهابية هجينة" تجمع بين غرف التخطيط والتمويل الحوثية في صنعاء، وأذرع تنفيذية وشبكات نائمة ترتبط بقيادات عسكرية وتشكيلات عقائدية محسوبة على تنظيم "الإخوان المسلمين".
ويرى مراقبون ومحللون عسكريون أن هذه العملية لا تمثل مجرد اغتيال لشخصية مدنية بارزة، بل تؤشر على تحول دراماتيكي في استراتيجية "الحرب بالوكالة" التي تشنها ميليشيا الحوثي بهدف إغراق المحافظات الجنوبية المحررة في دوامة من الفوضى الأمنية الشاملة، وتقويض النماذج المؤسسية والتنموية الناجحة خارج حدود سيطرتها.
اعترافات دقيقة: من التمويل إلى مسرح الجريمة
بثت شرطة العاصمة عدن شريطاً مصوراً يتضمن اعترافات صادمة لأحد العناصر الرئيسية في خلية الاغتيال، المتهم عمر ناصر صالح، والتي أزاحت الستار عن الهيكل التنظيمي للعملية.
وتشير الاعترافات إلى هندسة دقيقة لعملية الاغتيال وتوزيع للأدوار تحت إشراف ميداني مباشر من المتهم صالح وديع حداد وبمشاركة التنفيذيين عبده محمد ناجي ومهدي السويدي. ولم يكن "حداد" مجرد منفذ ميداني، بل كان حلقة الوصل اللوجستية التي تدير العملية بتوجيهات وتغطية مالية واستخباراتية قادمة من صنعاء الواقعة تحت سيطرة الحوثيين.
التحليل الأمني: الاستهداف الحوثي تجاوز المربع العسكري والأمني المعتاد ليمتد إلى ضرب الرموز التنموية الدولية والمحلية (كالصندوق الاجتماعي للتنمية)، في مسعى لتعطيل المساعدات الخارجية، وتكريس صورة المحافظات المحررة كبيئة غير آمنة للمنظمات الدولية.
صالح وديع وأمجد خالد: أشباح تفجير مطار عدن تعود للواجهة
أعادت هذه التحقيقات اسم الإرهابي المطلوب دولياً ومحلياً صالح وديع حداد إلى صدارة المشهد الأمني؛ وحداد هو أحد أقرب المقربين للقائد العسكري السابق لـ"لواء النقل" أمجد خالد، الذي تتهمه السلطات اليمنية بإدارة شبكة إرهابية عابرة للمحافظات تعمل بتنسيق عضوي مع المخابرات الحوثية.
ويرتبط اسم حداد بملفات دامية؛ لعل أبرزها:
• محرقة مطار عدن (أكتوبر 2021): التخطيط والإشراف على تفجير السيارة المفخخة أمام البوابة الخارجية للمطار، والتي حصدت أرواح 22 مدنياً وأصابت أكثر من 50 آخرين.
• قوائم الإرهاب والمكافآت: إدراجه من قِبل جهاز مكافحة الإرهاب كأحد أخطر المطلوبين أمنياً، ورصد مكافأة قدرها 30 مليون ريال يمني مقابل الإدلاء بمعلومات تقود إليه.
ورغم الأوامر القضائية وأوامر القبض القهرية الصادرة بحقه، غادر حداد إلى صنعاء ليعاود الظهور عبر منصات إعلامية محسوبة على تنظيم الإخوان المسلمين من داخل مناطق السيطرة الحوثية، وهو ما يفسره الخبراء الأمنيون بأنه إثبات قاطع على تحول صنعاء إلى "ملاذ آمن لغرف العمليات المشتركة" بين قوى الإرهاب.
تفكيك شبكة "أواخر يونيو 2025": ملامح المنظومة الواحدة
تكمن الأهمية الاستراتيجية للاعترافات الحالية في كونها امتداداً جينياً للشبكة الإرهابية الأوسع التي يقودها "أمجد خالد"، والتي قامت اللجنة الأمنية العليا بتفكيكها في أواخر يونيو من العام الماضي (2025).
وكانت اللجنة الأمنية قد كشفت حينها عن شبكة معقدة تتلقى التوجيهات مباشرة من المخابرات الحوثية، وتضم عناصر وخلايا مشتركة تجمع بين "الإخوان" وتنظيمي "القاعدة وداعش". وتتحمل هذه الشبكة العنقودية المسؤولية عن:
1. اغتيال مؤيد حميدي: مدير برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في مدينة التربة بمحافظة تعز.
2. سلسلة التفجيرات العنقودية: استهداف قيادات عسكرية وأمنية في عدن، وتعز، ولحج، والبيضاء.
3. البيوت الآمنة: استخدام منازل مدنية مستأجرة كورش لتصنيع العبوات الناسفة، وتجهيز السيارات المفخخة، ورصد وتصوير الضحايا قبل التصفية.
التغطية الممنهجة وحرب "البروباغندا" الإعلامية
بموازاة المعركة الأمنية على الأرض، برز مسار آخر حاولت من خلاله وسائل إعلام ومنصات ممثلة لتنظيم الإخوان حرف مسار العدالة؛ حيث شنت تلك الوسائل حملة تخوين وتوجيه اتهامات سياسية معلبة ضد المجلس الانتقالي الجنوبي ودولة الإمارات العربية المتحدة منذ الساعات الأولى للاغتيال، وقبل أن تجف دماء الضحية.
وفي هذا السياق، يعلق المحلل السياسي الدكتور ياسر اليافعي قائلاً: "الاعترافات الصريحة الموثقة من قِبل أمن عدن نسفت السردية الإخوانية الزائفة بالكامل. لقد أثبتت التحقيقات أن الإرهابي صالح وديع تحرك بغطاء حوثي مباشر من صنعاء ليتولى هندسة الجريمة، مما يؤكد أن الاستباق الإعلامي للإخوان كان محاولة واعية لتوفير غطاء سياسي للخلية وتشتيت جهود جهات التحقيق".
من جانبه، أشار الصحفي باسم الشعيبي إلى التناقض الصارخ في الخطاب الإعلامي لتلك المنصات؛ حيث دأبت لسنوات على تقديم شخصيات متورطة بالإرهاب مثل أمجد خالد بوصفهم "قادة مقاومة"، في حين تثبت التقارير الاستخباراتية والقضائية (التي توجت بحكمين بالإعدام بحق أمجد خالد) تورطهم الكامل في رعاية خلايا التفجير والاغتيال.
خلاصة المشهد (الأرقام والارتباطات الهيكلية للشبكة):
أثبتت قضية اغتيال وسام قائد أن التنسيق بين الحوثيين والتيارات الإرهابية لم يعد مجرد استنتاج سياسي، بل هو واقع عملياتي مضبوط بالأدلة الجنائية. وتضع هذه التطورات مجلس القيادة الرئاسي والأجهزة الأمنية أمام استحقاق وطني عاجل، يتطلب تجاوز مرحلة الدفاع إلى الهجوم؛ عبر تجفيف منابع تمويل هذه الشبكات، وملاحقة ملاذاتها الآمنة، وتعزيز المنظومة الاستخباراتية في المحافظات المحررة لقطع دابر "إرهاب الوكالة".