في ريف قصيعر الحضرمي، حيث تنام القرى على كتف الجبال وتستيقظ على تراتيل الريح، انقلبت الألفة إلى كابوس. لم يكن مجرد هجوم عابر، بل كان "انفجاراً للوحشة" في جسد حيوان فقد صوابه، أو ربما فقد توازنه مع الطبيعة.
يقول العجوز "سالم" -الذي شهد الحادثة من خلف نافذته-: "رأيناه يبرق كالسهم من بين الشعاب، لم يكن ذئباً عادياً يطارد شاة، بل كان شيئاً يطارد الحياة ذاتها في عيون الناس".
وفي لحظات تداخل فيها صراخ الأطفال بذهول المارة، تحول الحيوان إلى "إعصار من الأنياب"، ينهش هنا ويثب هناك، تاركاً خلفه أربعة عشر جريحاً، لا تدمي جراحهم الأجساد فحسب، بل تدمي طمأنينة المكان.
ويصف أحد الضحايا، وهو يلملم أوجاعه في المركز الصحي، تلك اللحظات فيقول: "كانت عيناه تقدحان شرراً لا نراه في ذئاب الجبال، لم يخف صياحنا، ولم يرتدع بمحاولاتنا طرده، وكأنه كان في مهمة قدرية ليذكرنا بأن وحوش البراري ما زالت تتربص بقرانا التي تظن أنها في أمان".
ويتساءل الناس اليوم في مجالس قصيعر: ما الذي أخرج "الذئب" من عزلته؟ هل هو عطش الجبال؟ أم داء استوطن في دمائه، فجعله نسخة مشوهة عن طبيعة كانت يوماً تتقاسم معنا الهدوء؟
لقد أثبت ذلك "الزائر المباغت" أن في بطن حضرموت أسراراً لا تنتهي؛ فبينما كانت القرى تغفو على حلم العودة إلى الحياة، جاء هذا الذئب ليؤكد أن المسافة بيننا وبين "الوحش" ليست سوى حجر يُرمى، وصمت ينهشه ناب لا يرحم.
واليوم، يعود الناس إلى بيوتهم وهم يلتفتون خلف ظهورهم، ويغلقون الأبواب بإحكام، وكأنهم يغلقون الباب على زمن كان فيه الجبل صديقاً، لا سجناً للأرواح التي تخشى الخروج إلى الضوء.
خاتمة لا بد منها:
دعونا لا نخدع أنفسنا؛ فما حدث اليوم ليس "قدراً" لا مفر منه، بل نتيجة حتمية لغياب "الصحوة الأمنية" والبيطرية التي تحمي الريف من أخطار تتربص به. إن هذا الوحش لم يكن ليصول ويجول لو كانت هناك عين ترصد، ويد تتحرك للحد من خطر الحيوانات الضالة والمريضة.
نحن أمام معضلة اعتاد فيها المواطن أن يستقبل المصائب وحيداً، بينما تعيش جهات الاختصاص في غيبوبة، "أذن من طين وأخرى من عجين". لا تنتظروا تحركاً، ولا ترتقبوا إجراءً؛ ففي قاموسنا المعتاد ستظل هذه الحوادث مجرد عناوين عابرة، ولن يستيقظ المسؤولون إلا إذا طرق الخطر أبواب مكاتبهم المكيفة. أما نحن، فسنبقى نردد بمرارة: "وكأنك يا أبا زيد ما غزيت".