المشهد السياسي اليمني يزداد قتامة وتعقيدًا كل يوم، وفي ظل هذه القتامة نجد صمت الشرعية هو سيد الموقف أمام كل من يعبث وينهب مقدرات اليمن، وتكتفي فقط ببيانات الإدانة والاستنكار أمام تمدد قوة الحوثي التي لا تعترف إلا بمنطق السلاح والفرض.
فكيف يمكن لشرعية تمتلك الاعتراف الدولي أن تقف متفرجة، بينما تتحرك المليشيا لتفرض واقعًا جديدًا على الأرض والسماء؟
فالمرء لا يحتاج إلى عبقرية سياسية ليدرك أن الفارق بين الدولة والمليشيا ليس في الاعتراف الدولي، بل في القدرة على حماية السيادة وممارسة الهيبة. ما نراه اليوم في المشهد اليمني من سلوك الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي يتجاوز حدود "الصبر الاستراتيجي"، ليصطدم مباشرة بحقيقة مرة: شرعية تتفرج، ومليشيا تدير الأرض والأجواء بوقاحة غير مسبوقة. إن المعضلة في اليمن لا تكمن في غياب إرادة الشعب والذي يريد التخلص من مليشيا الحوثي الإرهابية ومن الفساد، وإنما في غياب القيادة القادرة على استثمار تلك الإرادة وتحويلها إلى مشروع وطني يغيّر مجرى الأحداث.
وعندما منعت مليشيا الحوثي الإرهابية الطائرات من الهبوط في مطار المخا، وقبلها عندما أوقفت بقوة السلاح تصدير النفط اليمني—الذي يمثل شريان الحياة الوحيد للاقتصاد ومصدر رواتب الموظفين—كان المتوقع أن تزلزل الشرعية الأرض تحت أقدام الانقلابيين. لكن بدلاً من الرد الحازم، اختارت القيادة الشرعية مقاعد المتفرجين في مسرحية هزلية يدفع ثمنها الشعب اليمني كل يوم، لتتحول القصة من مجرد خروقات ميدانية إلى إعادة صياغة كاملة لمفهوم الدولة في اليمن، حيث تعجز الحكومة عن حماية منشآتها الحيوية، بينما تقف عاجزة—أو متواطئة بالصمت—أمام مشهد الطائرات الإيرانية التي تقلع وتهبط بـ"أريحية" تامة في مطار صنعاء.
ورغم هذه الانتكاسات، فإن اليمنيين أثبتوا في مختلف المحطات المفصلية قدرتهم على كسر حاجز الخوف والصمت وإعلان مواقفهم عندما تصل الكرامة إلى حدها الأخير، مؤكدين أن الإرادة الشعبية كثيراً ما سبقت القيادة.
ومن هنا، فإن المشهد لا يتوقف عند حدود العجز السياسي، بل يمتد إلى ملفات أكثر خطورة، حيث تتحول الترتيبات المعلنة إلى أدوات لتكريس النفوذ الخارجي.
وتحت غطاء "الرحلات المدنية" و"الجسر الجوي الإنساني"، تُطبخ في العلن صفقات مشبوهة؛ إذ يسارع الحوثيون، عبر برلمانهم غير الشرعي والممسوخ في صنعاء، لإقرار اتفاقية ملاحة جوية مع طهران لتسيير نحو 15 رحلة شهرياً عبر شركة "ماهان إير" الخاضعة للعقوبات الدولية. وأي سذاجة سياسية هذه التي تقبل بتمرير كذبة "نقل المرضى والمسافرين" عبر شركة طيران معروفة عالمياً بأنها الجناح اللوجستي للحرس الثوري الإيراني؟ الحقيقة التي يدركها الجميع، ويتعامى عنها مجلس القيادة الرئاسي، هي أن هذه الرحلات ليست سوى خطوط إمداد عسكرية مفتوحة لنقل الخبراء، والمستشارين، والمعدات التكنولوجية العسكرية الدقيقة التي تُستخدم لاحقاً لضرب السُفن في البحر الأحمر وتهديد دول الجوار الإقليمي.
وفي ظل هذا الواقع، قد يبرز خطاب قانوني يراهن على النصوص والإجراءات، بينما تتسارع الأحداث على الأرض بصورة مختلفة.
وقد يخرج علينا جهابذة القانون في الحكومة الشرعية ليقولوا—بثقة مفرطة—إن هذه الاتفاقيات فاقدة للأثر القانوني ولا تكتسب صفة شرعية لأنها لم تمر عبر المؤسسات الدستورية المعترف بها، لكن القوانين الدولية والشرعية الدستورية لا تحمي الدول إذا لم تكن مدعومة بالقوة والإرادة، فالميليشيات لا تأبه بالقوانين، بل تفرض وقائع على الأرض مستغلة غياب الحزم الحكومي. وبينما تنشغل الشرعية بصياغة بيانات الإدانة والاستنكار اللغوية البليغة، تفرض مليشيا الحوثي أمراً واقعاً ويقضم ما تبقى من سيادة الدولة، وما وصول عناصر عسكرية إيرانية إلى مطار صنعاء علناً إلا إهانة مباشرة لكل تضحيات اليمنيين، ورسالة واضحة من طهران بأنها باتت تدير الأجواء اليمنية بلا رقيب أو حسيب.
وبناءً على ذلك، فإن استمرار هذا النهج يضع مستقبل الدولة أمام أسئلة مصيرية لا تحتمل التأجيل.
إن استمرار هذا الخمول السياسي والدبلوماسي من قبل مجلس القيادة الرئاسي والحكومة يبعث برسائل خاطئة للمجتمع الدولي، الذي بدأ يتعامل مع عصابة الحوثي كسلطة أمر واقع نتيجة لغياب البديل القوي والحاسم، والحكومة الشرعية مطالبة اليوم، قبل الغد، بالخروج من مربع المتفرج إلى مربع "رد الفعل" المؤثر. فلا يمكن الاستمرار في سياسة التنازلات المستمرة تحت ذريعة السلام، في وقت تستخدم فيه الميليشيا هذا السلام كهدنة لترتيب صفوفها وبناء قدراتها العسكرية وتعميق ارتباطها العسكري بطهران؛ فإذا كانت الحكومة الشرعية عاجزة عن حماية مطاراتها وموانئها، وعاجزة عن منع طائرات الحرس الثوري من استباحة أجوائها، فعن أي "شرعية" نتحدث؟ إن ما ينقص اليمن اليوم هو قيادة تلتقط اللحظة التاريخية وتترجمها إلى مشروع وطني جامع، قادر على إحداث التغيير وتحقيق تطلعات اليمنيين، فالشعب لم يلتف حول هذا المجلس ليكون شاهداً على تسليم بلاده لإيران، بل ليقود معركة استعادة الدولة، والصمت في هذه اللحظات الحرجة ليس حكمة، بل هو تفريط يرتقي إلى مستوى الخطيئة السياسية التاريخية.