أخبار محلية

انتفاضة القبائل والوعيد الإقليمي.. الحوثي في مواجهة الخيار الأخير

انتفاضة القبائل والوعيد الإقليمي.. الحوثي في مواجهة الخيار الأخير

يقف اليمن اليوم فوق صفيح ساخن، على حافة تصعيد عسكري واقتصادي هو الأعنف والأشرس منذ إقرار التهدئة الهشة عام 2022. 

فلم يعد المشهد اليمني مجرد نزاع محلي تحكمه خطوط التماس التقليدية، بل تحول إلى جبهة مفتوحة تتداخل فيها ارتقاب الانفجار الداخلي لمليشيا الحوثي، مع الهبة القبلية العارمة شرقاً، ومحاولات الحكومة الشرعية لانتزاع سيادتها الاقتصادية، ووعيد التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية بالرد غير المسبوق، في ظل صمت ومقاربة باهتة من مجتمع دولي يكتفي بإدارة الأزمة دون حلها.

 

المليشيا.. هروب نحو تصعيد الخارج

تعيش مليشيا الحوثي في صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرتها حالة طوارئ واستنفار أمني غير معلن، يغلفه قلق عميق من انفجار الشارع المحلي. فالعزلة الاقتصادية الخانقة، وانقطاع المرتبات، وتدهور الخدمات الأساسية، وضعت المليشيا في مواجهة مباشرة مع حاضنة شعبية ضاقت ذرعاً بالسياسات الإقصائية والجبايات المستمرة.

ولكبح جماح أي انتفاضة محتملة، لجأت المليشيا إلى استراتيجية القمع الاستباقي عبر شن حملات اختطاف واسعة النطاق لم تسلم منها سابقاً القيادات الحزبية، والناشطون، وحتى الموظفين الأمميين والعاملين في المنظمات الإنسانية الدولية.

ولم يكن التصعيد الحوثي الأخير في البحر الأحمر وخليج عدن سوى محاولة واضحة لتصدير الأزمات الداخلية والهروب من استحقاقات السلام والالتزامات المعيشية تجاه المواطنين.

وتسعى المليشيا، عبر لافتات الحشد والتعبئة العامة وتحت شعارات عابرة للحدود، إلى صناعة عدو خارجي يبرر حالة التعبئة العسكرية المستمرة ويواري خلفه الفشل الإداري والاقتصادي الذريع في مناطق سيطرتها، وهو ما أكدته الحكومة الشرعية مراراً من أن تصرفات المليشيا تهدف لتضليل الداخل وتغطية تآكل شرعيتها الميدانية.

نفير القبائل

على الضفة الأخرى من خطوط المواجهة، تواجه مليشيا الحوثي تحدياً بنيوياً غير مسبوق يتمثل في انتفاضة مجتمعية مسلحة تقودها القبائل اليمنية، التي لطالما كانت صمام أمان الهوية الوطنية ورافضة لمحاولات التطييف القسري. وتتجسد هذه الانتفاضة اليوم بأبهى صورها في "مطارح الكرامة" بمنطقة الريان بمحافظة الجوف، حيث تداعى آلاف المقاتلين من قبائل دهم، ومراد (مأرب)، وهمام العوالق (شبوة)، وأبين وحضرموت وتعز والحديدة والضالع ولحج، بل وحتى من قبائل طوق صنعاء والمحويت وذمار، استجابة لدعوة "النكف القبلي" التي أطلقها الشيخ حمد بن راشد بن فدغم الحزمي لنصرة قضية المختطفة "ميرا" ومقاومة الغطرسة الحوثية.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن مطارح الريان باتت تضم ما يقارب 8,000 مقاتل قبلي مدججين بالأسلحة المتوسطة والثقيلة، معلنين إغلاق باب التفاوض مع المليشيا الحوثية ورفض كل الوساطات الجزئية التي حاول تنظيمها محافظ الجوف المعين من قبل الحوثيين. 

وأمام هذا التلاحم القبلي العابر للجغرافيا، لجأت المليشيا الحوثية إلى أساليبها المعهودة؛ فقطعت شبكات الاتصالات عن الجوف لعزل القبائل عن المحيط الخارجي، وكثفت نقاط التفتيش العسكرية لمنع الوفود، بالتزامن مع اندلاع مواجهات مسلحة دموية في عاصمة المحافظة "الحزم" بين أبناء قبيلة همدان والميليشيا. ويرى مراقبون أن هذا النفير القبلي يشكل خطراً وجودياً على الحوثيين، كونه يهدد بكسر هيبة المليشيا وربط أزمة الجوف بجبهات مأرب وصافر المشتعلة، مما قد يشعل حرباً برية شاملة ومفتوحة شرق اليمن.

 

استنفار سياسي وعسكري

في المقابل، رفعت الحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي من سقف نبرتهما العسكرية والسياسية، مدفوعة بوعي تام بأن التهدئة بصيغتها الحالية لم تعد تخدم سوى الطرف الانقلابي. وبناءً على ذلك، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، وعضو المجلس عبد الرحمن المحرمي، توجيهات حاسمة لكافة الوحدات العسكرية والمحاور برفع الجاهزية القتالية إلى أقصى درجاتها والاستعداد الدائم للتصدي لأي تصعيد بري محتمل.

وتحركت الحكومة الشرعية، بقيادة رئيس الوزراء شائع محسن الزنداني، على مسارين متوازيين: المسار الاقتصادي وهو تفعيل الأوراق السيادية والقرارات البنكية الصارمة لإنهاء هيمنة الحوثيين على القطاع المصرفي وتجفيف منابع تمويلهم، ورفض الانتهاكات السيادية المستمرة للمليشيا.

والمسار العسكري والميداني تمثل في إعادة ترتيب الصفوف الداخلية وصد الهجمات الانتحارية الحوثية، والتي كان آخرها الهجوم الشرس على جبل "دباس" في مديرية حيس بالساحل الغربي، حيث خاضت القوات المشتركة (اللواء 14 مشاة والثاني زرانيق) معركة بطولية من المسافة صفر استمرت لخمس ساعات، أسفرت عن دحر الحوثيين وتكبيدهم أكثر من 50 قتيلاً، مقابل ارتقاء 15 شهيداً من القوات الحكومية.

 وتؤكد الحكومة أن محاولات الحوثي المستمرة للتسلل في جبهات تعز (الضباب) وشمال الضالع (غلق) تعكس نية مبيتة لإسقاط التهدئة كلياً.

السعودية.. خطوط حمراء 

دخل الموقف الإقليمي، وتحديداً موقف المملكة العربية السعودية وقوات تحالف دعم الشرعية، منعطفاً حاسماً وحازماً؛ إذ توعد التحالف بضرب المليشيا الحوثية "بقوة غير مسبوقة وحزم صلب" رداً على التهديدات الحوثية المباشرة التي لوحت باستهداف المنشآت الحيوية والمطارات داخل المملكة. وأوضح المتحدث باسم التحالف، اللواء تركي المالكي، أن هذه التهديدات الجوفاء لا تعدو كونها محاولة يائسة من الحوثيين لتصدير أزماتهم الاقتصادية الخانقة والتغطية على حالة الرفض المجتمعي والقبلي المتصاعد ضد أيديولوجيتهم الطائفية.

وجاء هذا الوعيد السعودي الصارم بعد خرق جوي إيراني خطير وغير مسبوق للسيادة اليمنية، تمثل في تسيير رحلة جوية مباشرة تابعة للحرس الثوري الإيراني إلى مطار صنعاء الخاضع للحوثيين، في خطوة اعتبرتها الرياض والحكومة الشرعية انتهاكاً صارخاً للقرارات الأممية وتحدياً سافراً لقواعد الاشتباك.

ولم تعد السعودية تكتفي بالدبلوماسية التقليدية، بل شددت رقابتها على الأجواء اليمنية، مؤكدة أن أمن المملكة واستقرار المنطقة خط أحمر، بالتزامن مع مواصلة تقديم الدعم المالي والتنموي لمجلس القيادة الرئاسي لضمان استقرار الخدمات في المحافظات المحررة والحيلولة دون الانهيار الكامل لعمود الدولة الاقتصادي.

 صمت المجتمع الدولي

مقابل هذا الغليان المحلي والإقليمي، يبدو الموقف الدولي غارقاً في صمت باهت ومقاربة قاصرة تثبت عجزها يوماً بعد آخر. فلم تفلح التحالفات العسكرية الدولية، مثل عملية "حارس الازدهار" أو الضربات الأمريكية البريطانية المحدودة، في شل القدرات العسكرية للحوثيين أو ثنيهم عن تهديد خطوط الملاحة الدولية في جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وقد انتقدت القيادة اليمنية مراراً هذا الموقف الدولي، رغم مطالبة المجلس الرئاسي في المحافل الأممية بضرورة الانتقال من مرحلة "بيانات الإدانة" إلى الإجراءات الرادعة والعملية التي تستهدف تجفيف منابع التسليح الإيراني وفرض عقوبات مشددة.

إن المجتمع الدولي، ممثلاً بالولايات المتحدة والأمم المتحدة، يضع تأمين الملاحة وحماية تدفق النفط العالمي كأولوية قصوى، بينما يمارس إدارة باردة للأزمة على الصعيد الإنساني والداخلي لليمن، مكتفياً بإصدار تحذيرات من تفاقم المجاعة التي تهدد ملايين اليمنيين.

هذا السلوك الدولي العاجز، والرافض لتقديم تنازلات مالية للحوثيين دون التزام واشتباك حقيقي في مسار السلام، ترك الملف اليمني معلقاً في منطقة رمادية خطرة، حيث غابت الحلول السياسية وحلت مكانها لغة السلاح والتحشيد.

مآلات المشهد

يضعنا هذا التحليل أمام حقيقة واحدة: اليمن اليوم لا يقف في حالة سلم، ولا في حالة حرب تقليدية، بل يمر بمرحلة مخاض عسكري وسياسي هو الأكثر تعقيداً منذ عقد من الزمن. فكل المؤشرات الميدانية والسياسية تؤكد أن صمامات الأمان قد تآكلت كلياً، فالمليشيا الحوثية محاصرة بالفشل الداخلي والنفير القبلي في الجوف ومأرب، وتجد في الحرب خيارها الوحيد للبقاء.

والحكومة الشرعية بدعم من التحالف العربي استشعرت خطر المماطلة ورفعت جاهزيتها القتالية والاقتصادية إلى الدرجة القصوى.

بينما التدخل الإيراني المباشر عبر الحرس الثوري في الأجواء اليمنية فرض معادلة إقليمية جديدة تتطلب رداً حاسماً.

إن اليمن اليوم يقف أمام سيناريوهين لا ثالث لهما: إما انفجار مواجهة برية وبحرية شاملة وعنيفة تتداخل فيها القبائل مع الجيش الوطني لكسر الانقلاب الحوثي بدعم إقليمي مباشر، أو بقاء البلاد في دوامة استنزاف اقتصادي وإنساني مرير يدفع ثمنه المواطن اليمني، في ظل مجتمع دولي يراقب من بعيد، تاركاً الجغرافيا اليمنية لتحدد مصيرها بنفسها فوق فوهات البنادق وصحاري المواجهة.