متابعات استقصائية |
في الوقت الذي تصنف فيه القوانين والمواثيق الدولية التعليم الأساسي كحقٍّ مكفول ومجاني لكل طفل، حوّلت مليشيا الحوثي في العاصمة المحتلة صنعاء ومناطق سيطرتها الكتاب المدرسي إلى سلعة تجارية تدرّ أرباحاً طائلة على قياداتها. وجاء ذلك عبر تجفيف المدارس الحكومية من المناهج، وضخها مباشرة إلى رصيف "السوق السوداء" لتباع بأسعار خيالية.
ومع بداية كل عام دراسي، تتسع رقعة هذه الظاهرة لتكشف عن مأساة مركبة؛ حيث يعجز آلاف الطلاب عن الحصول على مراجعهم الدراسية، في حين تكتظ شوارع صنعاء وبسطاتها بأكوام الكتب الرسمية الحديثة، وسط جبايات ورسوم غير قانونية تُفرض على الأهالي تحت مسميات "رسوم تسجيل ومساهمة مجتمعية".
شهادة قضائية تفضح "تجارة الهواء" في صنعاء
أعادت شهادة جريئة أدلى بها القاضي البارز في صنعاء، عبد الوهاب قطران، تسليط الضوء على هذه الجريمة التعليمية. ونشر قطران صورة صادمة جرى التقاطها من "جولة الجامعة الجديدة" في قلب العاصمة صنعاء، تظهر أرصفة الشوارع وقد تحولت إلى مخازن مفتوحة لبيع المناهج الدراسية المطبوعة في مطابع الدولة الرسمية.
وانتقد القاضي قطران بشدة سلطة الأمر الواقع الحوثية، مؤكداً أن هذه الكتب تباع "جهاراً نهاراً" بإشراف وتواطؤ من قيادات المليشيا، بينما يذهب آلاف الطلاب والطالبات إلى مدارسهم بحقائب فارغة، وفي ظل أوضاع معيشية متدهورة بلغت حد عجز الأسر عن توفير وجبة إفطار لأطفالهم، فضلاً عن استمرار الحرمان الممنهج للمعلمين من رواتبهم لسنوات.
وأضاف قطران في منشور لاذع:
"هذه السلطة تتاجر بكل شيء في اليمن حتى الهواء.. يفرضون على كل طالب رسوماً تصل إلى 8500 ريال يمني كشرط إجباري للتسجيل في مدارس الدولة، ثم يُجبر أولياء الأمور مجدداً على شراء الكتب والزي المدرسي من الأسواق وبأموال مضاعفة".
شهادات تربوية: تسريب ممنهج من المخازن الرسمية
أكدت مصادر تربوية مطلعّة في صنعاء لـ (اسرار سياسية )، أن أزمة اختفاء الكتاب المدرسي لم تعد عارضاً طارئاً، بل غدت "سياسة ممنهجة" تتكرر وتتسع سنوياً. وأوضحت المصادر أن إدارات المدارس الحكومية تتلقى توجيهات صارمة بإبلاغ أولياء الأمور بعدم توفر الكتب، والطلب منهم تدبير تكلفتها عبر شرائها من "البسطات" والأسواق الشعبية، أو اللجوء إلى خيار "التصوير الورقي" المكلف على نفقتهم الخاصة.
ويرى خبراء تربويون أن انتشار الكتب الرسمية بنسخها الحديثة والمعدّلة طائفياً على الأرصفة، يقطع الشك باليقين حول وجود شبكات فساد منظمة تديرها قيادات حوثية نافذة في وزارة التربية والتعليم بصنعاء. وتقوم هذه الشبكات بـ:
1. احتجاز الشحنات المطبوعة في مطابع الكتاب المدرسي الحكومية وعدم توزيعها على المدارس.
2. تسريب هذه الكميات الضخمة إلى تجار السوق السوداء التابعين للمليشيا لجني أموال طائلة.
3. فرض رسوم "تحصيل قيمة كتب" من الطلاب داخل المدارس دون تسليمهم أي كتاب.
أولياء الأمور.. بين مطرقة الجوع وسندان التجهيل
من جانبهم، عبّر أولياء أمور في صنعاء عن بؤس خياراتهم؛ حيث أكدوا أنهم باتوا يقتطعون من قوت عائلاتهم الضروري لشراء المناهج من أرصفة الشوارع لضمان استمرار أبنائهم في العملية التعليمية وحمايتهم من التسرب.
وأشار الأهالي بمرارة إلى الفارق بين واقع التعليم اليوم وما كان عليه قبل الانقلاب الحوثي، حيث كانت الدولة تتكفل بطباعة وتوزيع المناهج مجاناً وبانتظام لكل طالب، بينما يتحملون اليوم كلفة سلة من الأعباء المادية تشمل (رسوم التسجيل الباهظة، الزي المدرسي، القرطاسية، وقيمة المناهج من السوق السوداء)، في ظل انهيار تام للقدرة الشرائية وانقطاع الرواتب الحكومية التي تمثل شريان الحياة الرئيسي للمواطنين.
أبعاد أعمق: خصخصة التعليم وتطييف العقول
يؤكد مراقبون للشأن اليمني أن هذه الظاهرة لا تعكس مجرد فساد مالي عابر، بل هي جزء من استراتيجية حوثية أعمق تهدف إلى:
• خصخصة التعليم العام: تحويل المدارس الحكومية تدريجياً إلى مدارس ربحية غير معلنة، لحصر التعليم في طبقة الأثرياء الجدد والموالين للمليشيا.
• إفراغ المدارس من مضمونها المعرفي: دفع فئات واسعة من أبناء الفقراء إلى ترك مقاعد الدراسة نتيجة العوز المادي، مما يسهل استقطابهم والزج بهم كوقود في جبهات القتال.
• إدارة اقتصاد الحرب: الاستحواذ على المساعدات الدولية الموجهة لقطاع التعليم وطباعة المناهج، وتحويلها إلى استثمارات خاصة تعود ريعها لصالح المجهود الحربي.
تضع هذه الكارثة الإنسانية والتعليمية المستمرة قطاع التعليم في مناطق سيطرة الحوثيين أمام منزلق خطير؛ حيث يتداخل التجهيل المتعمد مع الإفقار الممنهج، لينتج جيلًا كاملاً مهدداً بالأمية، وسط صمت دولي وتراجع لدور المنظمات الأممية التي تواصل المليشيا ابتزازها باسم الملف الإنساني.