متابعات خاصة |
بدلاً من الانشغال بمحاضراته الأكاديمية ومتابعة أبحاثه اللغوية، وجد الدكتور تامر الأشعري، أستاذ اللغة العربية بجامعة تعز، نفسه مجبراً على التنقل لساعات طويلة بين شوارع المدينة بحثاً عن أسطوانة غاز منزلي. لم تكن قصة الدكتور الأشعري حدثاً عابراً، بل تحولت إلى رمز مأساوي يعكس واقعاً مريراً يعيشه آلاف المواطنين في تعز؛ حيث باتت النخب العلمية والكفاءات المجتمعية تُستنزف في ملاحقة أدنى مقومات البقاء، وسط انهيار شبه كامل للمنظومة الخدمية.
شلل تمويني تام وإغلاق جماعي للمحطات
مع تجدد أزمة الغاز المنزلي، شهدت مدينة تعز شللاً تموينياً خانقاً إثر توقف غالبية محطات التعبئة ووكلاء التوزيع عن العمل. وفيما برر الوكلاء هذا التوقف المفاجئ بتأخر وصول الشحنات والإمدادات من منشأة صافر بمأرب، أبدى المواطنون تبرمهم من هذه الذرائع التي تتكرر مع كل أزمة دون وازع أو معالجة حقيقية، مما تسبب في عجز حاد أثر بشكل مباشر على المطبخ اليومي لآلاف الأسر في المحافظة الأكثر كثافة سكانية في اليمن.
قطاع النقل في عين العاصفة: طوابير المبيت وارتفاع التعرفة
لم تتوقف شظايا الأزمة عند الاستخدام المنزلي، بل امتدت لتضرب قطاع النقل والمواصلات إثر شح غاز المركبات (LPG). هذا الاختناق أنتج مظاهر قاسية على الأرض:
• طوابير المبيت: اصطفت مئات الحافلات وسيارات الأجرة في طوابير كيلومترية أمام محطات التعبئة، واضطر عشرات السائقين للمبيت داخل مركباتهم لأيام انتظاراً لحصص محدودة.
• شلل مروري جزئي: تسببت التجمعات العشوائية للمركبات أمام المحطات في اختناقات مرورية حادة شلت الحركة في الشرايين الرئيسية للمدينة.
• مضاعفة الأعباء على الركاب: اضطر سائقو الحافلات إلى رفع تعرفة الركوب بنسبة تصل إلى 50% (من 200 إلى 300 ريال)، مما أضاف عبئاً معيشياً جديداً على كاهل المواطنين الذين يسحقهم التدهور الاقتصادي المتسارع.
لغز الأرقام: فجوة العرض والطلب أم هندسة الفساد؟
تكشف مصادر مطلعة عن وجود فجوة حادة بين الاحتياج الفعلي والكميات الواصلة؛ إذ يتطلب السوق المحلي في تعز حداً أدنى يبلغ خمس مقطورات يومياً لتغطية الطلب، في حين ما يصل حالياً لا يغطي جزءاً ضئيلاً من هذه الحاجة.
إلا أن خبراء وناشطين في ملف الطاقة يؤكدون أن جذور الأزمة تتجاوز "نقص الإمدادات" إلى سوء الإدارة الممنهج وغياب الشفافية. وتصاعدت الاتهامات المباشرة لـ "لوبي فساد" يضم نافذين في السلطة المحلية والشركة اليمنية للغاز، متورط في تصفية مخصصات تعز الرسمية، وتسريب جزء كبير منها إلى السوق السوداء، أو تهريبها نحو المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي لتحقيق أرباح مالية مضاعفة على حساب معاناة المحاصرين داخل المدينة.
سخط شعبي ومطالبات بمحاكمة "لوبي الغاز"
في المقابل، يواجه الصمت الرسمي للسلطة المحلية في تعز بانتقادات شعبية لاذعة؛ حيث يرى السكان أن الجهات المعنية تكتفي بـ "إدارة الأزمة بالوعود" بدلاً من حلها.
وفي هذا السياق، تلخص الناشطة سكون العبسي المشهد قائلة: "لا تزال أزمة الغاز تخنق كافة أبناء محافظة تعز، والسبب مافيا المحاصصة ولوبي الفساد في وطن غني بالثروات النفطية".
ويرى مراقبون أن أزمة الغاز في تعز لم تعد مجرد مشكلة تموينية عابرة، بل تحولت إلى قضية أمن مجتمعي تكشف عمق الاختلالات الهيكلية في إدارة الملفات الخدمية. وطالب حقوقيون وناشطون بفتح تحقيق قضائي شفاف لكشف مصير مقطورات الغاز المخصصة للمحافظة، وإعادة النظر في آلية التوزيع، مع إلزام شركة الغاز بنشر كشوفات يومية دورية توضح حجم الكميات الواردة وأسماء الوكلاء والمحطات المستلمة، لقطع الطريق أمام الاحتكار ومحاربة منافذ التهريب.