أخبار محلية

كرامة القبيلة وسيادة الدولة .. الاختبار الحقيقي

كرامة القبيلة وسيادة الدولة .. الاختبار الحقيقي

"لعيون حِصّة ما تمصِّه"؛ وتعني هذه الكلمات أنه لأجل عيون حصة -وهي امرأة مستغيثة بالأمير الدريعي بن شعلان- لن يرضع المُهر من أمه (الفرس). حيث وجّه هذا الشيخ كافة أبناء قبيلة عنزة بأن من لديه فرس حديثة الولادة عليه بذبح مُهرها، حتى لا يرضع من الفرس فتضعف في معركة إغاثة المرأة وإعادة كرامتها، فنفذ أبناء القبيلة ذلك، وأصبحت الجملة السابقة شعارًا حماسيًا يتردد على ألسنتهم وهم يذبحون أمهار خيلهم.

 الدريعي يا رجالي

بدأت القصة في سنة قحط وجدب، حيث عبرت قبائل "العمارات" من عنزة في نجد، بقيادة ابن هذال، إلى نهر الفرات نحو الشمال، هناك اصطدموا بقبيلة "شمر" فيما عرف بـ "وقعة بصالة"، انتهت المعركة بهزيمة العمارات، ومن أعراف القبائل أنهم عندما يغزون كانوا يأخذون إحدى بناتهم لإثارة الحماس، وكانت معهم هذه المرة حصة بنت الهذال شيخ القبيلة، وبعد النزاع، تم الاستيلاء على ناقتها، وتعرّضت لضربة أو إهانة معنوية من أحد الفرسان، وعندما أحست بالظلم وسلب هودجها وحلالها، استغاثت بأعلى صوتها: "الدريعي يا رجالي!"..

كان الدريعي بن مشهور الشعلان، هو الزعيم الأقوى لقبيلة الرولة والجلاس إحدى عشائر قبيلة عنزة في الشام، وهناك وصلته صرخة "حصة"، وهو زوج أختها، عبر أحد الركبان فثارت ثائرته وأقسم ألّا يذوق القهوة أو يهنأ بعيش حتى يثأر لها ويسترد كرامتها، كما وجه أبناء القبيلة بذبح الأمهار وهي الخيول الرضيعة كما تم ذكره بداية هذا المقال، وقد وصف موقفه أحدهم بقوله:

الدريعي يحرم شربة الدله .. قال والله لا حمسه ولا اشقا به

غير يجري نهارٍ يسهج الحله .. والعذاري تصيح وتشعط ثيابه.

انتصار صيحة "حصة"

حينها أعلن الدريعي النفير العام لغسل العار، وأرسل إلى كافة بطون وعشائر قبيلة عنزة في بادية الشام والجزيرة العربية، فهبّت تلك العشائر ووضعوا بينهم الشروط والعهود، وتحركوا لمواجهة قبيلة شمر وحلفائها في موقع يُدعى "السبيخة" (أو عفر)، واستمرت المعركة حوالي 90 يومًا انتهت بانتصار قبيلة عنزة بقيادة الدريعي واسترداد "حصة بنت الهذال" بكامل كرامتها، واسترجاع هودجها المسمى بـ "العمارية" وكل الحلال والإبل، وتُعرف هذه القصة تاريخيًا بـ "صيحة حصة"، وقد وقعت عام 1824م، وهي من أعظم معارك القبائل التي جسدت حماية العِرض، والنخوة، والتي قلبت الدنيا رأسًا على عقب لأجل استغاثة امرأة.

شرفٌ كامل بأعناق الرجال

وإذا كان هذا هو لسان حال العرب قبل مئات السنين، وإذا حصل ما حصل لأجل استرجاع كرامة امرأة تعرض لها أحد الفرسان لإنزالها من الهودج حتى يأخذ الإبل ضمن الغنائم، وفي حين كانت جرت العادة في حروب البادية العربية ألّا تُمس النساء بسوء، وألّا يتعرض لهن أحد، فكيف بامرأة تعرضت للسجن والإهانة والتعذيب، حتى رمت شعرها بين الرجال والمشايخ، ولم تنتهِ القصة هنا بل وتعرض من أراد إنصافها للسجن والقهر وأُخذت منه ربيعته عنوة بعد أن قصت ضفائرها ورمتها بين يديه؟؟!.

إنه الشيخ/ حمد بن فدغم، استنجدت به امرأة ضعيفة، فتعرض كلاهما للاعتقال، حتى استغاث بقبيلة "دهم" في الجوف، ودعا إلى النكف بين القبائل وكسر جفر جنبيته، وهذه كبيرة في أعراف القبائل وسلومها وسلوكها، وفي أعراف العرب أيضًا أن إلقاء المرأة لشعرها أو ناصيتها بين الرجال يعني وضع شرفها كاملاً في أعناقهم، ولا يملك الشيخ فكاكًا من نصرتها وإلا لحِق به "العيب الأسود" الذي لا يغسله إلا الدم.

وبينما لا يزال التحشيد مستمرًا والوفود القبلية تتدفق سيولها إلى مطرح الريان في الجوف انتصارًا للكرامة وتعزيزًا لموقف الشيخ حمد بن فدغم بخصوص ما تعرض له هو وربيعته، يبدو جمود الموقف الحوثي واضحًا في عدم الاستجابة المنصفة للموقف، ناهيك عن أنه لا يزال مستمرًا في التحشيد للمواجهة، وكأنه لا يدرك حجم فِعلته في العرف القبلي الممتد لآلاف السنين، كدخيل على اليمن يرى لنفسه السيادة والحاكمية والولاية وله الحق يعمل بالشعب ما يشاء، وإلا فالشعب في نظره كفرة وغير موحدين وخارجين عن الملة، وهذا ما أثبته في خطابه الأخير ليلة الجمعة 16 يوليو، أمام الناس واصفًا إياهم بالمتخاذلين والكفرة وعدم الموحدين إن لم يستجيبوا لدعوته في الخروج إلى السبعين لأجل إيران.

رمتني بدائها وانسلت

وبدلاً من أن يحاسب نفسه عن أن عصابته التي تسببت في تجويع الشعب وترويعه وإهانته، يريدون أن يركبوا الموجة كحجة لهم لا عليهم، يريد أن يقول إنهم هم المحاصرون وهم الجوعى كما ورد في خطابه ذلك، لا لشيء سوى للمتاجرة بأن الشعب أصبح جائعًا، وهكذا لسان حالهم كما يقول المثل العربي: "رمتني بدائها وانسلت".

هكذا هو دأبهم في المغالطات والالتفاف على كل الحقوق والاتفاقات والأعراف ولهم في التاريخ القريب قصص كثيرة، ويعتبر لجوؤهم إلى المماطلة وتفعيل الوساطات في هذه القضية، عبر 'شراء الوقت'، مشابهاً لذلك السلوك الذي مارسته الجماعة في أغسطس 2017م؛ فبينما جنحت قيادة المؤتمر والقبائل حينها نحو التهدئة حقناً للدماء وتغليباً للحلول السلمية، استغل الحوثيون تلك التفاهمات كغطاء للغدر، والتقاط الأنفاس، وتفكيك الطوق القبلي تدريجياً قبل الانقلاب الشامل وتصفية شركائهم. واليوم، يقف مطرح الريان أمام ذات الاختبار لتجنب الوقوع في فخ الوعود الحوثية الملغومة.

الاختبار الحقيقي

لا ندري إن كانت أزمة السيادة الحالية محصورة حول "السيادة الجوية" ومنع الحوثيين والإيرانيين من اختراقها فقط، أم أن استعادة كامل السيادة للوطن هو مشروع الدولة خلال هذه الفترة، وخاصة بعد نجاحها في منع هذه الخطوة الاستفزازية، بإعادة طائرة ماهان يوم السبت 19 يوليو، بعد محاولاتها اختراق الأجواء مجدداً، وتقزيم الحوثيين والإيرانيين الذين أرادوا فتح جسرٍ جويٍ لتهريب الأسلحة والخبراء وتخريب الوطن واستفزاز الأشقاء.

أمام إرادة الحكومة الصلبة وعزيمتها القوية واستعداداتها المكثفة عسكرياً وسياسياً، يبقى الاختبار الحقيقي لاستعادة السيطرة على كافة أركان السيادة الوطنية وهزيمة المشروع الإيراني المتمثل في الانقلاب الحوثي.

 

والخلاصة:

إذا كانت يد واحدة ما تصفق ها هي قد تعددت الأيدي والتحمت السواعد فالقبيلة من جهة والدولة من جهة، وينتظرهم الجميع داخل مناطق سيطرة الحوثيين للثأر لكرامتهم المغلوبة ولقمتهم المسلوبة، لسان حال الجميع، ننتظر قراراً جاداً وحاسماً وسيلتحق الجميع بصفوف المعركة الوطنية التي لا خيار أمامها إلا الانتصار والانتصار فقط...