كشف وزير الكهرباء والطاقة المهندس عدنان الكاف عن خطة لمعالجة الاختلالات المتراكمة في قطاع الكهرباء، بالتوازي مع تنفيذ إصلاحات وصفها بالجذرية، مؤكدًا أن الحكومة تسعى إلى الانتقال من الحلول الإسعافية المؤقتة إلى بناء منظومة قادرة على الاستمرار وتحسين الخدمة بصورة مستقرة.
وقال الكاف، في حوار مع صحيفة "الايام" أجراه الزميل صلاح السقلدي ، إن أزمة الكهرباء ليست مرتبطة بوزارة واحدة، وإنما هي ملف مركب يتداخل فيه الوقود والتمويل ومحطات التوليد وشبكات النقل والطاقة المشتراة والتحصيل والسلطات المحلية، مؤكدًا أن تحسين الخدمة يتطلب قرارات حكومية متكاملة.
وأضاف أن الوزارة تعمل على مسارين متوازيين، الأول يتمثل في معالجة الوضع القائم بالإمكانات المتاحة، والثاني في تنفيذ إصلاحات جذرية تمنع استمرار الأزمة بالشكل الذي عرفته البلاد خلال السنوات الماضية، مشددًا على أن تأهيل قطاع الكهرباء يمثل أساسًا لاستقرار خدمات المياه والصحة والتعليم والاقتصاد ومختلف مناحي الحياة.
وأشار الوزير إلى تشكيل غرفة عمليات للتحصيل ومعالجة ما وصفها بـ«القراءات الصفرية» والحد من الفاقد الكهربائي، موضحًا أن استمرار الفاقد وعدم تحصيل مستحقات الكهرباء يضعف قدرة المؤسسات على تشغيل وصيانة المنظومة.
وكشف عن وجود مديونيات كبيرة على مؤسسات الدولة والجهات العامة، إلى جانب مديونيات لدى القطاعات التجارية والخاصة، معتبرًا أن معالجة ملف التحصيل ليست مجرد قضية مالية، بل جزء أساسي من إصلاح قطاع الكهرباء وتأمين الموارد اللازمة للتشغيل والصيانة وشراء قطع الغيار.
وفيما يتعلق بزيادة القدرة التوليدية، أوضح الكاف أن الوزارة تعمل على عدد من المشاريع والإجراءات الفنية، من بينها إدخال نظام الدورة المركبة لتوربينات محطة الرئيس، وهو مشروع قال إنه قد يضيف نحو 125 ميجاوات من القدرة التوليدية عند اكتماله وتشغيله بالشكل المطلوب.
كما أشار إلى الحاجة لإجراء أعمال صيانة لتوربينات محطة الرئيس ومحطة المنصورة، لافتًا إلى وجود معوقات مالية مرتبطة بتمويل أعمال الصيانة، يجري العمل على معالجتها مع الجهات المعنية.
وتطرق وزير الكهرباء إلى ملف إمدادات النفط الخام لمحطات التوليد، مؤكدًا الحاجة إلى تركيب مضخات ومعدات لنقل الخام في محطة بترومسيلة بهدف زيادة الإمدادات القادمة من حضرموت إلى محطة الرئيس في عدن.
لكنه أشار في الوقت ذاته إلى تحديات لوجستية وأمنية، أبرزها التقطعات التي تتعرض لها قواطر نقل النفط الخام في بعض المحافظات، مؤكدًا أن تلك الحوادث تؤثر بصورة مباشرة على انتظام إمدادات الوقود لمحطات الكهرباء.
وأشاد الكاف بالكفاءات الفنية والهندسية العاملة في محطات التوليد بمختلف المحافظات، مؤكدًا أنها تعمل في ظروف وصفها بالصعبة، وسط تهالك المحطات ونقص قطع الغيار والموارد، داعيًا إلى إعطاء تأهيل الكادر الفني وتطوير قدراته أولوية موازية للاستثمار في المحطات والمعدات.
وفي سياق خطط الإصلاح، كشف الوزير عن مشروع «ريست» (RESET) الممول من البنك الدولي، والذي من المقرر أن يبدأ تنفيذه في أكتوبر المقبل ويستمر لمدة عامين، متوقعًا أن يسهم في دعم محطات التوليد وتحسين كفاءتها ومعالجة عدد من الاختناقات في منظومة الكهرباء.
لكنه شدد على أن الدعم الخارجي والمشاريع الممولة دوليًا لن تكون كافية وحدها لإنقاذ القطاع، مؤكدًا الحاجة إلى إصلاح مؤسسي متكامل، وتحسين التحصيل، وتأمين الوقود، وحماية الشبكات، وإعادة تأهيل محطات التوليد، إلى جانب إشراك القطاع الخاص.
وفي رسالة مباشرة للمواطنين، أقر وزير الكهرباء بتراجع الثقة الرسمية نتيجة سنوات طويلة من الوعود غير المنجزة، قائلاً إن المواطن لا يريد بيانات وتصريحات، وإنما يريد أن يجد الكهرباء تعمل عند فتحه باب منزله.
وقال: «أتفهم هذا الشعور تمامًا ولا ألوم المواطن عليه»، مؤكدًا أنه لا يريد تقديم وعود لا تستند إلى قدرة فعلية على التنفيذ.
وأوضح أن وصول مولدات جديدة أو شحنات وقود لا يعني بالضرورة انتهاء أزمة الكهرباء، بسبب وجود احتياجات أخرى مرتبطة بالشبكات والمحطات والصيانة والأعطال والمتطلبات الفنية والتشغيلية.
وأكد أن الوزارة والحكومة مطالبتان بالتعلم من أخطاء السنوات الماضية، خصوصًا فيما يتعلق بإعلان الوعود قبل اكتمال أسباب تنفيذها، معتبرًا أن ذلك أضر بثقة المواطنين أكثر مما أفاد المؤسسات الرسمية.
وفيما يتعلق بالخلافات التي أثيرت بشأن إمدادات النفط من حضرموت إلى عدن، نفى الكاف وجود أي خلاف شخصي بينه وبين محافظ حضرموت سالم الخنبشي، مؤكدًا أن ما قد يحدث من تباين في وجهات النظر حول بعض الملفات لا يعني وجود خلاف بين وزارة الكهرباء والسلطة المحلية.
وأضاف أن ملف النفط يجب أن ينظر إليه باعتباره ملفًا وطنيًا، مشيرًا إلى وجود تعاون وتنسيق مع السلطة المحلية في حضرموت بما يخدم المواطنين واستقرار منظومة الكهرباء، إلى جانب دعم قال إن القطاع يتلقاه من المملكة العربية السعودية.
وحول إمكانية الوصول إلى تشغيل الكهرباء لنحو نصف ساعات اليوم، أكد الكاف أن ذلك يمثل هدفًا للوزارة، لكنه رفض تقديم أرقام أو وعود لا يمكن ضمان تنفيذها، مشددًا على أن الهدف الحقيقي هو تحقيق تحسن مستدام وليس تحسنًا مؤقتًا سرعان ما ينهار.
وقال إن الوزارة تعمل بالتوازي على رفع القدرة التوليدية، وتأمين الوقود، وإعادة المحطات المتوقفة إلى الخدمة، ومعالجة الاختناقات الفنية، وتقليل الفاقد، وتحسين التحصيل ومعالجة المديونيات.
وكشف كذلك عن توجه لتأسيس شركة مساهمة للكهرباء يدخل فيها القطاع الخاص كشريك أساسي، بهدف فتح المجال أمام استثمارات جديدة في قطاع الطاقة والانتقال من المعالجات المؤقتة إلى حلول أكثر استدامة.
وأشار إلى وجود توجه لدراسة إنشاء محطات تعمل بالغاز في شبوة أو وادي حضرموت، للاستفادة من موارد الغاز المتوفرة وتوفير قاعدة توليد مستقرة على المدى الطويل، بالتوازي مع التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وفيما يتعلق بالطاقة المشتراة، أكد وزير الكهرباء أنها ليست حلًا استراتيجيًا، وأن الوزارة لا ترغب في استمرار الاعتماد عليها بالشكل الذي كان قائمًا خلال السنوات الماضية، لكنه أشار إلى أن التخلص منها يحتاج إلى بدائل حكومية مستقرة وقادرة على تغطية الأحمال.
وأوضح أن الوزارة تتجه إلى تقليص الاعتماد على الطاقة المشتراة تدريجيًا، وزيادة التوليد الحكومي، ومراجعة العقود والتكاليف والخدمات المقدمة، مؤكدًا أن أي عقد تثبت فيه مخالفات يجب أن يخضع للمراجعة والمساءلة عبر الجهات المختصة.
أما بشأن الطاقة الشمسية، فقال الكاف إنها تمثل جزءًا أساسيًا من مستقبل منظومة الكهرباء، لكنها تحتاج إلى بنية فنية متكاملة تشمل التخزين وتنظيم الأحمال وربط الشبكة وضمان استقرار التردد والجهد.
وأكد وجود توجه للتوسع في مشاريع الطاقة المتجددة وفتح المجال للاستثمار في الطاقة الشمسية اللامركزية، بما في ذلك الأنظمة المنزلية والتجارية.
وفي أكثر تصريحاته صراحة، رد وزير الكهرباء على سؤال بشأن احتمال تقديم استقالته إذا استمر الوضع دون تحسن، قائلاً إنه لا يهرب من المسؤولية ولا يبحث عن أعذار.
وأكد أنه إذا شعر في أي لحظة بأنه لم يعد قادرًا على أداء المسؤولية الموكلة إليه، أو أن وجوده أصبح عائقًا أمام معالجة ملف الكهرباء، فإنه سيكون «أول من يتحمل مسؤوليته».
لكنه شدد على أن الاستقالة ليست موقفًا إعلاميًا ولا وسيلة للهروب من الأزمة، معتبرًا أن المسؤولية الحقيقية تتمثل في البقاء في الميدان ومحاولة معالجة الاختلالات، ومصارحة الحكومة والقيادة السياسية بحقيقة الوضع دون تجميل.
واختتم الكاف حديثه برسالة مباشرة للمواطنين، قال فيها إن من حقهم الغضب والتساؤل وعدم تصديق الوعود حتى يروا نتائج ملموسة في منازلهم، مؤكدًا أن الوزارة لن تستعيد ثقة الناس بالشعارات والكلام، وإنما بتحسن فعلي ومستقر في خدمة الكهرباء.