في ريف تعز، حيث كانت تلألأت الحقول الخضراء وتتناثر القرى الآمنة على سفوح الجبال الشامخة، تحولت تفاصيل الحياة اليومية البسيطة إلى رحلة بقاء مريرة وموجعة لا تنتهي.
لم يعد صوت الرياح العليلة بين الأشجار العتيقة ولا حفيف الزرع هو ما يطرق أذان الأهالي الآمنين في هجير النهار أو عتمة الليل، بل بات فحيح المقذوفات المدفعية المرعب الذي تطلقه مليشيا الحوثي يمزق سكون السكينة ليطال المنازل الطينية والأراضي الزراعية الخصبة دون أي مبرر عسكري منطقي أو ضرورة ميدانية.
ووسط هذا الخراب المريع والدمار الواسع الذي خلفته آلة الحرب، تتكشف فصول إنسانية دامية وموجعة يرويها بمرارة من تبقوا صامدين على خطوط النار ومن اضطروا مرغمين لحزم ذكريات عمرهم وتاريخهم في حقائب النزوح نحو المجهول.
إنها حكاية أرض تستغيث وبشر يُقتلعون من جذورهم بلا ذنب سوى أنهم أحبوا السلام وأرادوا العيش بكرامة فوق تراب أجدادهم، لتصبح مأساة تعز نافذة مفتوحة على حجم المعاناة الإنسانية العميقة التي يعيشها المدنيون العزل في ظل صمت مطبق وغياب للمعالجات الحقيقية التي تحمي أرواحهم وممتلكاتهم من بطش البطاريات والقذائف العشوائية المستمرة ليل نهار.
شهادات حية من قلب المأساة: أصوات من خطوط النار والنزوح
نزوح قسري ورحلة هروب دامية نحو المجهول
الحاج أحمد محمد (65 عاماً): «لم نكن نحمل سلاحاً، وكل ما نملكه هو مواشينا البسيطة ومزرعة الذرة التي نطعم منها أطفالنا ونتكسب رزقنا اليومي. فجأة، سقطت القذائف العشوائية فوق منازلنا وكأن الموت يسقط علينا من كبد السماء بلا سابق إنذار. اضطررت للفرار مع حفيداتي ونساء العائلة على الأقدام وسط ظلام الليل الحالك، تاركين خلفنا كل شيء نملكه في هذه الدنيا لنواجه العراء والمجهول».
غياب مقومات الحياة الأساسية وتفاقم الأوضاع الإنسانية
أم صابرين (أم لثلاثة أطفال): «خرجنا بأجسادنا فقط وبلا أي زاد بعد أن تحول منزلنا الصغير إلى كومة من الركام والتراب جراء قصف مليشيا الحوثي العشوائي والمستمر. أطفال الصغار يفزعون ويبكون بشدة من أصوات الرياح الشديدة ظناً منهم أنها قذائف جديدة تستهدفهم، ونحن اليوم نعيش في العراء بلا مأوى يقينا حر الصيف ولا مساعدة تخفف عنا مرارة التشرد».
استهداف ممنهج للمقدرات الاقتصادية والنسيج المجتمعي
خالد المقطري (ناشط حقوقي محلي): «ما يجري في قرى تعز ليس مجرد أعمال قتالية عابرة أو اشتباكات عسكرية محدودة، بل هو استهداف ممنهج ومتعمد بالكامل للاستقرار المجتمعي
وبث الرعب المبرمج في نفوس المواطنين العزل القاطنين في مناطق خالية تماماً من أي مواقع أو ثكنات عسكرية. تتعمد مليشيا الحوثي تدمير مقومات الحياة الأساسية من مزارع وآبار مياه ومنازل لفرض حصار مطبق».
قضوا على كل شيء
المهندس عبد الله فاروق (شاهد عيان ومزارع متضرر): «لقد استهدفت القذائف الحوثية شبكات الري ومضخات المياه التي نعتمد عليها لسقي أراضينا الزراعية الوحيدة، فتحولت الحقول الخضراء إلى مساحات قاحلة ومحروقة. لقد قضوا على مصدر الدخل الوحيد لمئات العائلات التي أصبحت بين عشية وضحاها عاطلة عن العمل ومعدمة لا تملك حتى ثمن وجبة يومية واحدة لأطفالها الجياع».
القذائف الحوثية هدمت مدرستنا وجامعتنا
ديمة أحمد (طالبة جامعية نازحة): «كنا نتمنى أن نكمل تعليمنا ونحقق أحلامنا البسيطة في بناء مستقبل أفضل لبلدتنا، لكن القذائف الحوثية هدمت مدرستنا وجامعتنا وشردت أصدقائي في مخيمات النزوح المتناثرة. لقد سرقوا منا حقنا في التعلم والحياة الآمنة، وباتت كل أحلامنا تختصر في البحث عن خيمة تسترنا من البرد والحر وعن لقمة يسد بها أطفالنا رمقهم اليومي».
نداءات استغاثة متكررة ومطالبات دولية عاجلة بوقف آلة الدمار
بين مخيمات النزوح المؤقتة وافتراش العراء وتحت وطأة الظروف القاسية، يعيش آلاف المدنيين الأبرياء أوضاعاً إنسانية بالغة السوء والتردي، تتفاقم يوماً بعد يوم مع الغياب التام لأبسط مقومات الرعاية الصحية والغذائية والنفسية. ومع إمعان مليشيا الحوثي في مواصلة قصف القرى والأحياء السكنية المكتظة، يرفع الأهالي والنازحون أصواتهم بنداءات استغاثة متكررة وموجعة إلى كافة المنظمات الإنسانية الإقليمية والدولية، مطالبين بتحرك عازم وصارم لوقف آلة القتل والدمار الممنهج، وضمان حقهم الأساسي في العيش بأمان داخل قراهم ومزارعهم وممتلكاتهم التي ورثوها أباً عن جد، لتبقى تعز تنتظر بصيص أمل ينهي مأساتها ويعيد الابتسامة المفقودة لوجوه الأطفال الثكالى والنساء النازحات في مهب الريح.