في اليمن يبدو أن للحرب قانوناً واحداً لا يتغير الفقراء يذهبون إلى الجبهات وأبناء المسؤولين يذهبون إلى الجامعات والفنادق !
كلما اشتدت المعارك ارتفعت أصوات المطالبين بالتضحية وكلما احتاجت الجبهات إلى مقاتلين بدأ خطاب الوطنية يعلو من خلف الشاشات وبدأت الدعوات إلى أبناء الشعب بأن يحملوا السلاح وأن يقدموا أرواحهم فداءً للوطن والمشروع الوطني.
لكن السؤال الذي لا يريد كثيرون الإجابة عنه أين أبناء أصحاب هذه الدعوات؟
قبل أيام استمعت إلى أحد المحسوبين على الجيش الوطني يحمل رتبة عسكرية رفيعة يتحدث من الرياض عبر إحدى القنوات الفضائية ويحث أبناء اليمن على الالتحاق بالجبهات والتضحية بالنفس من أجل ما أسماه المشروع الوطني.
استمعت إليه وأنا أتساءل هل يدرك هذا المسؤول أن المواطن الذي يخاطبه لا يملك ما يملكه هو؟ هل يعلم أن ذلك الشاب الذي يريد منه الذهاب إلى الجبهة قد يكون أباً لعدة أطفال وربما لا يجد في منزله ما يكفي لإطعامهم؟
وهل يعلم أن الجندي الذي يُطلب منه أن يموت دفاعاً عن الوطن قد يعود إلى منزله في نهاية الشهر عاجزاً عن شراء الطعام لأسرته؟
نحن أيضاً نحب الحياة نحبها كما يحبها المسؤولون وأبناؤهم ونخاف على أنفسنا كما يخافون على أنفسهم ونريد لأطفالنا أن يعيشوا ويدرسوا ويبنون مستقبلهم تماماً كما يريد أصحاب المناصب لأبنائهم أن يعيشوا ويدرسوا في أرقى الجامعات.
فلماذا تصبح حياة أبناء المسؤولين غالية بينما تصبح حياة أبناء الفقراء مجرد أرقام في كشوفات القتلى والجرحى؟
لماذا عندما يتعلق الأمر بالحرب يكون الفقير مشروع شهيد بينما عندما يتعلق الأمر بمستقبل الأبناء يصبح ابن المسؤول مشروع طبيب ومهندس ودبلوماسي؟
هذه ليست دعوة إلى الجبن وليست رفضاً للدفاع عن الدولة وإنما هي دعوة إلى الصدق مع الناس إذا كانت المعركة وطنية، فليكن تحملها وطنياً وإذا كانت التضحية واجباً فلا ينبغي أن تكون التضحية طبقة اجتماعية واحدة بينما تتولى طبقة أخرى توزيع الأوامر والخطب والشعارات.
ومن أراد مواجهة الحوثيين فالجبهات مفتوحة ومن يرى أن التضحية بالنفس هي الطريق إلى النصر والشهادة فليكن أول المتقدمين إلى الصفوف لا أن يتحول إلى واعظ من فندق آمن ثم يطالب أبناء الفقراء بأن يذهبوا إلى الموت.
لا تبيعوا للناس الجنة وأنتم تحتفظون لأنفسكم بمقاعد آمنة في الدنيا هذه هي المشكلة الحقيقية في الخطاب الذي يستدعي الدين والوطن والشهادة عندما يحتاج إلى مقاتلين ثم ينسى كل ذلك عندما يتعلق الأمر بأبنائه ومستقبل أسرته اليمني الفقير لم يعد يحتمل المزيد لقد طحنته الحرب وأرهقه الغلاء وأثقلته البطالة وأتعبته أزمة الرواتب وانهيار الخدمات وفساد المسؤولين وهناك أسر يمنية تكافح اليوم من أجل وجبة واحدة بينما تتحدث بعض النخب عن معارك طويلة وكأنها تخوضها من غرف مكيفة بعيدة عن صوت الرصاص.
أي وطنية هذه التي لا ترى جوع الجندي لكنها ترى ضرورة موته الجندي الذي يُطلب منه أن يقدم حياته يستحق أولاً أن يعيش بكرامة يستحق راتباً منتظماً وتأميناً لأسرته وتعليماً لأطفاله ورعاية صحية وضماناً لمستقبل أبنائه.
أما أن يُترك هو وأسرته للفقر ثم يُطلب منه أن يتسابق إلى الجبهة فهذه ليست بطولة من جانب المسؤولين بل استهانة بحياة المواطن.
وفي الجهة الأخرى يراقب الناس أبناء بعض المسؤولين وهم يتسابقون على المنح الدراسية والمناصب والترقيات والامتيازات وبدلات السفر بينما يتسابق أبناء الفقراء إلى الجبهات بحثاً عن راتب أو دفاعاً عن وطن لم يحصلوا منه حتى على أبسط حقوقهم إذا كانت الحرب ضرورة وطنية فلماذا لا تكون العدالة ضرورة وطنية أيضاً؟ وإذا كانت الدولة تطالب المواطن بالتضحية فأين حقوق هذا المواطن؟ وإذا كان المطلوب من الجندي أن يموت من أجل الوطن فلماذا لا يستطيع الوطن أن يؤمّن له ولأسرته الحد الأدنى من الحياة الكريمة؟
الحقيقة التي يجب أن تقال بلا مجاملة هي أن الحرب في اليمن لم تعد معركة رصاص فقط إنها معركة طبقية أيضاً.
طبقة تدفع الثمن من دمائها وطبقة أخرى تستطيع أن تراقب المشهد من بعيد طبقة تبحث عن رغيف الخبز وطبقة تبحث عن المنح والمناصب طبقة ترسل أبناءها إلى الجبهات وطبقة ترسل أبناءها إلى الجامعات وبين الطبقتين يقف المواطن اليمني البسيط محاصراً بين الحرب والفقر والفساد لا هو قادر على الهرب من الحرب ولا قادر على الهروب من الفقر لهذا قبل أن تطلبوا من أبناء اليمن أن يقدموا أرواحهم قدموا لهم دولة تستحق أن يضحوا من أجلها وقبل أن تتحدثوا عن الشهادة تحدثوا عن العدالة وقبل أن تطالبوا الناس بالتضحية قدموا أنتم النموذج فالذي يريد من الآخرين أن يموتوا من أجل مشروعه عليه أن يثبت أولاً أن هذا المشروع يستحق الحياة.
أما أن يكون الفقير وقود الحرب وابن المسؤول وقود الطائرة المتجهة إلى الجامعة فهذه ليست عدالة وطنية بل توزيع غير عادل للموت والحياة.
واليمن لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الخطب التي تمجّد الموت بقدر ما يحتاج إلى رجال يعيدون للناس ثقتهم بأن الوطن ليس امتيازاً لفئة ولا مقبرة للفقراء الوطن للجميع ولذلك يجب أن تكون التضحية والمسؤولية والحقوق للجميع.