وكالات | تقرير موسع
يكشف التقرير الدولي الصادر حديثاً عن مؤسسة "سينشري إنترناشونال" (Century International) ضمن مشروع "ما وراء المحور"، تحت عنوان «من نقطة البداية إلى المركز: الحوثيون في أفريقيا»، عن تحول نوعي وإستراتيجي في سلوك مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني. فبدلاً من الاكتفاء باستعراض القوة البحرية واستهداف خطوط الملاحة، اتجهت الجماعة نحو اختراق البيئات الهشة في القرن الأفريقي لتأسيس شبكات تجنيد بشرية واستخبارية عابرة للحدود، ترتكز على استقطاب أبناء قومية العفر وتوظيف حاجتهم المعيشية لتوسيع نفوذ طهران البحري.
تجنيد بالخداع وإعدام القادة: قصة تصفية "العوسان"
وكشف التقرير الدولي تفاصيل عملية استخبارية حوثية مبكرة استهدفت مجتمعات العفر المنتشرة في مثلث الشاطئ الأفريقي (جيبوتي، إريتريا، إثيوبيا) عبر وسيط أفريقي يُدعى محمد العوسان، المرتبط بـ "منظمة البحر الأحمر العفرية الديمقراطية":
• المحطة الأولى والإنشاء (2016): وفرت مليشيا الحوثي للعوسان قاعدة تدريبية وطبّية خاصة في اليمن عام 2016، متكفلة بنقل المئات من أبناء العفر عبر قوارب تهريب انطلقت من سواحل شمال جيبوتي، تحت إغراءات مالية ووعود بمساندة مشروعهم السياسي والعسكري في أفريقيا.
• الوقوع في محرقة اليمن: اكتشف المجندون الأفارقة تعرضهم لعملية إنزال وتغرير؛ إذ حوّلتهم القيادة الحوثية إلى مرتزقة وخطوط صدمة أمية في جبهات الساحل الغربي والضالع، مما دفَع بالعوسان إلى قيادة إضراب وعصيان مسلح داخل معسكرات التدريب الحوثية في عام 2024.
• التعذيب والتصفية الجسدية: أقدمت المليشيا على اعتقال العوسان وعشرات من أتباعه، ومارست بحقهم أشكالاً وحشية من التعذيب قبل أن تنفذ حكم الإعدام بحق العوسان نفسه خلال العام ذاته، لتتدخل لاحقاً وساطات قبيلة عفرية رفيعة للمفاوضات مع الحوثيين لاستعادة جثمانه وتأمين إجلاء من تبقى من المجندين المحتجزين.
اعترافات "يعيدي" والخلية الإريترية في قبضة المقاومة الوطنية
وتتطابق المعطيات الواردة في التقرير الدولي كلياً مع العمليات الاستخبارية والأمنية التي نفذتها القوات المشتركة والمقاومة الوطنية على الساحل الغربي اليمني؛ إذ سبق للإعلام العسكري أن بث اعترافات مصورة للقيادي الميداني الإريتري علي أحمد يعيدي، أحد أبناء قبيلة العفر الذين أُلقي القبض عليهم في جبهات الساحل.
وأدلى "يعيدي" باعترافات تفصيلية كشفت عن وجود خلايا حوثية نشطة تعمل داخل الأراضي الإريترية والجيبوتية لإدارة شبكات تهريب وتجنيد الوافدين، ونقلهم إلى المعسكرات العقائدية للحوثيين في الحديدة وحجة لتلقي دورات قتالية وفكرية تحت إشراف خبراء من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني، تمهيداً لزرعهم كخلايا نائمة ووكلاء أمنيين على الضفة الغربية للبحر الأحمر.
عرض حوثي جديد في 2026: خزان بشري وثغرة أمنية وشيكة
ورغم النكسة والتصادم الذي واجهته التجربة الأولى، يؤكد التقرير الدولي أن المشروع الحوثي لم يتوقف؛ إذ أبلغ قادة بارزون في مجتمع العفر عن تلقيهم اتصالات وعروضاً حوثية جديدة شملت ضخ أموال وتوفير أسلحة نوعية ودورات تدريبية مستمرة حتى عام 2026.
ويرى خبراء عسكريون وإستراتيجيون أن إصرار طهران وأدواتها الحوثية على الاختراق الأفريقي يحمل أبعاداً خطيرة:
• العقيدة العابرة وتأسيس المرتزقة: استغلال الفقر والتهميش في دول القرن الأفريقي لاستخدام أبنائها كـ "خزان بشري" بديل للتغطية على الخسائر البشرية الهائلة التي تتجرعها الجماعة في تعز والساحل.
• تأسيس خطوط تهريب لوجستية: توظيف الانتشار الجغرافي للعفر على امتداد الشريط الساحلي لإنشاء قنوات تهريب أسلحة ومخدرات وتسهيل حركة الجواسيس والمعلومات الاستخبارية المهددة للملاحة الدولية.
• السيطرة على ضفتي الممر المائي: تحويل الممرات الساحلية من مضيق باب المندب وصولاً إلى قبالة إريتريا وجيبوتي إلى منطقة نفوذ إيراني متكاملة تُتيح لطهران فرض حصار وابتزاز بحري شامل على التجارة العالمية.
تُثبت هذه الحقائق المتشابكة أن المشروع الحوثي تجاوز حدود النزاع المحلي داخل اليمن، وغدا منظومة تخريب إقليمية عابرة للحدود تسعى للسيطرة على البحر الأحمر بالكامل، ما يتطلب موقفا دولياً حازماً وإسناداً كاملاً للقوات الوطنية اليمنية لتطهير الشريط الساحلي وقطع الأذرع الإيرانية الممتدة بين اليمن والقرن الأفريقي.