اليمن في الصحافة الخارجية

الفيلق الروسي في إفريقيا.. إعادة رسم الشراكات الأمنية وتوازنات جديدة في القارة السمراء

روسيا اليوم- اخبار 14/09/2026 20:12 333 مشاهدة
الفيلق الروسي في إفريقيا.. إعادة رسم الشراكات الأمنية وتوازنات جديدة في القارة السمراء
25 خبر

أخبار العالم

تاريخ النشر: 14.09.2026 | 17:11 GMT

تشهد القارة الإفريقية، ولا سيما منطقة الساحل، تحولا جيوسياسيا وأمنيا ملحوظا في السنوات الأخيرة، ويتجلى هذا التحول بوضوح من خلال دور "الفيلق الأفريقي"، التابع لوزارة الدفاع الروسية.

الفيلق الروسي بات يمثل أداة رئيسية في سياسة موسكو العسكرية تجاه التهديدات الإرهابية في القارة الإفريقية، بناء على طلب رسمي من حكومات إفريقية تسعى لتنويع شركائها الأمنيين والاستراتيجيين.

في إطار سعي روسيا لتنظيم وتعزيز وجودها في الخارج بطلب من حلفائها، انتقلت العمليات من نموذج المجموعات شبه العسكرية إلى "الفيلق الأفريقي" الذي يعمل تحت المظلة المباشرة لوزارة الدفاع الروسية. هذا التحول يعكس، وفقا للمصادر الروسية، رغبة موسكو في إضفاء طابع مؤسسي ورسمي على تعاونها، لضمان شفافية أكبر والتزام كامل بالاتفاقيات الثنائية الموقعة مع الدول المضيفة، بعيدا عن أي غموض قد يرافق عمل الكيانات غير النظامية.

ويقدم الجانب الروسي هذا النموذج كبديل عملي للتعاون الغربي، حيث يركز على "احترام السيادة الوطنية" و"عدم فرض شروط سياسية مسبقة" مقابل الدعم الأمني والعسكري، وهو ما يتوافق مع أولويات العديد من الحكومات الإفريقية الحالية التي تبحث عن شركاء يركزون على مكافحة الإرهاب واستقرار الدولة كأولوية قصوى.

النيجر: نموذج للتعاون الأمني التبادلي

تعد جمهورية النيجر واحدة من أبرز المحطات التي توضح طبيعة هذا التعاون الجديد. فمنذ عام 2024، يتواجد الفيلق الإفريقي في النيجر لتقديم التدريب والمعدات والمساعدة الأمنية، وذلك في إطار اتفاقيات وقعت بعد أن قررت نيامي إعادة توجيه سياستها الخارجية والأمنية، وقطع العلاقات العسكرية مع فرنسا والولايات المتحدة.

وقد تجلى هذا التعاون بشكل عملي ومباشر خلال الأحداث الأخيرة في العاصمة نيامي. فبحسب ما أكده السفير الروسي لدى النيجر، فيكتور فوروبايف، وتصريحات نقلتها وكالات أنباء دولية منها "أسوشيتد برس" و"تاس"، قامت القوات النيجرية باستعادة السيطرة على قاعدة "101" الجوية الاستراتيجية، الواقعة داخل مجمع مطار ديوري هاماني الدولي، بعد قمع تمرد عسكري اندلع بين ليلة الجمعة وصباح السبت، وأسفر عن تبادل لإطلاق النار بالقرب من القصر الرئاسي ومواقع حكومية أخرى.

وأوضح السفير فوروبايف أن قيادة قاعدة "101" الجوية هي من بادرت بطلب المساعدة من الفيلق الإفريقي. واستجابة لهذا الطلب الرسمي، قدم أفراد الفيلق دعما بريا وجويا للقوات الموالية للنظام للمساعدة في استعادة السيطرة على القاعدة. وفي خطوة تعكس طبيعة العلاقة التنسيقية بين الطرفين، قام رئيس الأركان العامة للجيش النيجري، ورئيس أركان الجيش، وقائد قاعدة "101" الجوية، بزيارة لقاعدة الفيلق الإفريقي في المطار بعد استعادة السيطرة، حيث "أعربوا عن امتنانهم للخدم على مساعدتهم في قمع التمرد"، وفقا لتصريحات فوروبايف.

مالي: نموذج للتعاون في مكافحة الإرهاب

تعد تجربة مالي من أبرز النماذج التي يستشهد بها الجانب الروسي لتوضيح فعالية التعاون الأمني مع الفيلق الإفريقي. فمنذ انسحاب القوات الفرنسية (عملية برخان) في عام 2022، والانتقال من الوجود الأوروبي إلى الشراكة مع موسكو، شهدت مالي تحولا جذريا في استراتيجيتها الأمنية.

وبحسب المعلومات، فإن الفيلق الإفريقي يركز في مالي على تقديم الدعم للجيش المالي في مواجهة التهديدات الإرهابية المتصاعدة من قبل تنظيمي القاعدة وداعش في منطقة الساحل، بالإضافة إلى التعامل مع التمردات المسلحة في شمال ووسط البلاد. وتتمثل المساعدة الروسية في عدة محاور:

يذكر أن هذا التعاون يتم بناء على طلب رسمي من الحكومة المالية، التي تسعى لاستعادة السيطرة الكاملة على أراضيها، وتعتبر أن الشراكة مع روسيا تمثل خيارا استراتيجيا يحقق نتائج ملموسة على الأرض، بعيداً عن القيود التي كانت تفرضها الشراكات السابقة.

ليبيا: دعم استقرار مؤسسات الدولة وموازنة التأثيرات الخارجية

تعد ليبيا محطة استراتيجية محورية في الخريطة الجيوسياسية الروسية بإفريقيا.

وعلى عكس النموذج العملياتي المباشر في دول الساحل، يتخذ الوجود الروسي في ليبيا طابعا أكثر دقة وتوازنا، يركز على دعم "الجيش الوطني الليبي" وتعزيز قدرات مؤسسات الدولة الأمنية.

ويهدف هذا التعاون إلى مساعدة ليبيا في استعادة سيادتها الكاملة على أراضيها، ومكافحة الجماعات الإرهابية، وتأمين حدودها الجنوبية الممتدة ضد تدفق الأسلحة والمسلحين. ويقدم الجانب الروسي دعما يتراوح بين الاستشارات العسكرية، والخبراء الفنيين، ودعم أنظمة الدفاع الجوي، وتدريب الكوادر الليبية، وذلك في إطار اتفاقات تفاهم ثنائية مع الجيش الليبي تحت قيادة المشير خليفة حفتر.

علاوة على ذلك، برزت موسكو كلاعب سياسي فاعل ووسيط نزيه في الملف الليبي، حيث تدعو باستمرار إلى حلول "ليبية-ليبية"، وتعارض بشدة أي تدخلات أجنبية أو وجود لقوات غير شرعية على الأراضي الليبية، مما يعزز من مكانتها كشريك استراتيجي يحترم سيادة البلاد ويساهم في موازنة المعادلات الإقليمية المعقدة.

قراءات تحليلية للوجود الروسي في إفريقيا:

يمثل "الفيلق الأفريقي" تجسيدا لواقع جيوسياسي جديد في القارة، لم تعد فيه إفريقيا ساحة نفوذ حصرية لقوى تقليدية معينة. فمن خلال اتفاقيات ثنائية واضحة، وتقديم دعم عملياتي مباشر عند الطلب (كما حدث في النيجر ومالي)، نجحت روسيا في ترسيخ قدمها كلاعب أمني موثوق به بالنسبة لعدد من العواصم الإفريقية وصد هجمات ومؤامرات تحاك ضد تلك الحكومات وشعبها.

المصدر: RT