آخر الأخبار
وزير الخارجية الإيراني يلتقي نظيريه السعودي في نيويورك   •   اسرار | فرار جماعي يضرب جبهات الحوثي بالساحل الغربي.. مصادر: انسحاب 150 عنصراً مجردين من السلاح نحو صنعاء   •   منتخب مصر يخرج بخيبة أمل من استاد القاهرة الدولي (فيديو)   •   اسرار | في خطاب 26 سبتمبر.. مجلس القيادة الرئاسي يُعلن النفير العام ضد الحوثيين ويُقدم عواً شاملاً لمن يترك صفوف الميليشيا   •   اسرار | بالتفاصيل- مفتي السعودية يهاجم المليشيات الحوثية ويصفها بـ (فرقة ضالة وعصابة شر) ويدعو القوات للمرابطة وتوحيد الصف   •   هل يهدد الذكاء الاصطناعي وظائف الخريجين الجدد؟ الأرقام تقول لا.. حتى الآن   •   مسلسل المسيرات الروسية يستنفر أوروبا   •   هل يهدد الذكاء الاصطناعي وظائف الخريجين الجدد؟ الأرقام تقول لا.. حتى الآن   •   تهنئة بذكرى ثورة 26 سبتمبر: المقاومة الوطنية تؤكد مواصلة النضال ضد المشروع الحوثي الإيراني   •   50 مليون ليرة.. غرامات قاسية تنتظر شركات تركية بسبب محمد صلاح   •  
أخبار محلية

قراءة في تهنئة ​أحمد علي عبدالله صالح بمناسبة ٢٦ سبتمبر: عندما يتحول الوطن إلى سؤال والمواطنة إلى قضية

المنتصف نت- المنتصف نت 25/09/2026 23:34 412 مشاهدة
قراءة في تهنئة ​أحمد علي عبدالله صالح بمناسبة ٢٦ سبتمبر: عندما يتحول الوطن إلى سؤال والمواطنة إلى قضية

في اليمن، ليست ذكرى 26 سبتمبر مجرد مناسبة في روزنامة التاريخ

 لكنها تعود كل عام كسؤال مفتوح ولا يحتمل التأجيل

 أي وطن أراده اليمنيون حين أشعلوا ثورتهم؟

 وأي جمهورية حلموا بها حين كسروا قيود الإمامة؟ 

إنها حكاية وطن أراد أن يولد من رحم الثورة، وطن لا تكون فيه كرامة الإنسان امتيازًا، ولا القانون وجهة نظر، ولا الدولة غنيمة تتنازعها قوى الظلام 

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تهنئة الأخ أحمد علي عبدالله صالح، نائب رئيس المؤتمر الشعبي العام، بمناسبة الذكرى الرابعة والستين لثورة 26 سبتمبر، باعتبارها أكثر من رسالة احتفالية

 فهي في جوهرها تستعيد المفردات التي ظلت تختصر المأزق اليمني المعاصر

( الحرية ،الديمقراطية، والكرامة، الدولة، القانون،  المؤسسات، الأمن، العدالة، والسلام)

ولعل القيمة السياسية الأبرز في هذه الرسالة أنها لا تتعامل مع سبتمبر باعتباره ذكرى من الماضي، وإنما فكرة وطنية ما زالت مطالِبة بمضمونها. فالثورات لا تعيش بطول عمر الاحتفال بها، بل بقدرتها على البقاء سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا أمام الحاضر

وإذا كان اليمنيون قد خرجوا قبل ستة عقود بحثًا عن جمهورية  أكثر عدلًا وانفتاحًا، فإن مأساة العقود الأخيرة أن الدولة نفسها أصبحت القضية الأكثر إلحاحًا، وأن المواطن الذي كان ينتظر ثمار التحول وجد نفسه بعد سنوات طويلة يبحث عن أبسط شروط الحياة الآمنة

لهذا تبدو عبارة «اليمن يستحق السلام والاستقرار» أكبر من مجرد أمنية ،إنها تعبير عن حقيقة سياسية وإنسانية باتت عصية على التجاهل، فالسلام في اليمن ليس اتفاقًا بين أطراف سياسية فحسب، ولا هدنة مؤقتة تتوقف عند حدود البنادق

 السلام الحقيقي هو أن يستعيد اليمني إحساسه بأن بلده ليس ساحة دائمة للصراع، وأن الدولة ليست فكرة مؤجلة

 وأن المستقبل ليس شيئًا ينبغي الهروب منه

والأهم أن الرسالة تربط السلام بالدولة والدولة بالقانون والمؤسسات، بحقوق المواطن

وهذه ليست مصادفة في التعبير السياسي، لأن الأزمة اليمنية في أحد أعمق وجوهها ليست أزمة خلاف على السلطة وحدها، وإنما أزمة دولة تعرضت بنيتها للاهتزاز، وأصبح غيابها أو ضعفها سببًا في مضاعفة كل أزمة أخرى.

حين يصبح القانون أقوى من السلاح، والمؤسسة أقوى من الفرد، والمواطنة أوسع من الانتماءات الضيقة، يبدأ اليمن بالخروج من دائرة الاستنزاف، وحين يشعر المواطن أن العدالة لا تتغير بتغير موازين القوة، وأن كرامته مصونة في صنعاء وعدن وتعز وحضرموت وصعدة وكل قرية ومدينة، يصبح الحديث عن الدولة واقعًا لا شعارًا.

ومن هنا أيضًا تكتسب الإشارة إلى اليمنيين في الداخل والخارج معناها الإنساني، فاليمن الذي تفرّق أبناؤه بين المنافي والمدن والحدود، يحتاج إلى خطاب يستعيد فكرة أنهم، قبل اختلافاتهم السياسية، أبناء وطن واحد. 

ملايين اليمنيين الذين حملوا اليمن معهم إلى بلدان أخرى لم يغادروا ذاكرتهم الوطنية، كما أن الذين بقوا في الداخل لم يتخلوا عن حقهم في حياة طبيعية وبين الطرفين وطن يحتاج إلى أن يتسع للجميع.

ليس في اليمن اليوم ما هو أكثر إيلامًا من أن يصبح الحديث عن الأمن والخبز والراتب والمدرسة والمستشفى والكهرباء حلمًا سياسيًا وراء كل رقم في تقارير الحرب عائلة، ووراء كل نازح حكاية، ووراء كل جريح قصة، ووراء كل شهيد أم تنتظر ابنًا لن يعود. ولذلك فإن استحضار الشهداء والجرحى في ختام الرسالة ليس تفصيلًا بروتوكوليًا؛ إنه تذكير بأن السياسة، حين تنفصل عن الإنسان، تتحول إلى صراع بارد على السلطة، بينما الوطن الحقيقي يبدأ من حياة الناس.

ربما تكون هذه هي المسافة الفاصلة بين الاحتفال بسبتمبر وفهم سبتمبر : الأول يستحضر الأعلام والخطب والذكريات، أما الثاني فيسأل: ماذا بقي من وعد إستعادة الدولة؟ ماذا بقي من معنى المواطنة؟ وماذا ينبغي أن يفعل اليمنيون كي لا تتحول ذكرى الثورة إلى مجرد صورة معلقة على جدار التاريخ؟

إن 26 سبتمبر ليست ملكًا لحزب، ولا لشخص، ولا لجماعة، ولا لجيل بعينه إنها جزء من الذاكرة الوطنية اليمنية، ومن حق الأجيال الجديدة أن تقرأها بعيدًا عن الاستقطاب، وأن ترى فيها تجربة تاريخية بما لها وما عليها، وأن تستخلص منها درسًا واضحًا: لا يمكن لوطن أن يستمر إذا ظل أبناؤه مختلفين على شكل الدولة بينما تتآكل الدولة نفسها.

ولذلك فإن المستقبل الذي تتحدث عنه الرسالة لا ينبغي أن يكون مجرد وعد جميل المستقبل في اليمن يحتاج إلى مصالحة وطنية واسعة، وإلى مؤسسات تستعيد وظيفتها، وإلى قانون يحكم الجميع، وإلى اقتصاد يخفف عن الناس قسوة المعيشة، وإلى مساحة سياسية تسمح بالاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى حرب.

اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الذين ينتصرون على بعضهم؛ يحتاج إلى دولة تنتصر للناس.

وهذه ربما هي أكثر الرسائل التي يمكن أن تستخلص من سبتمبر بعد أربعة وستين عامًا: أن الوطن لا يُبنى باستمرار الصراع حول من يملك السلطة، وإنما بالتوافق على أن السلطة نفسها يجب أن تخضع للدولة والقانون، وأن الدولة لا قيمة لها إن لم تحفظ الإنسان، وأن السياسة لا تصبح وطنية إلا عندما تتوقف عن النظر إلى المواطن باعتباره وقودًا لمعاركها.

من السهل أن نرفع شعار «عاشت اليمن»، لكن المعنى الأصعب والأصدق هو أن يعيش اليمني في اليمن مرفوع الرأس، آمنًا على بيته وأسرته ومستقبله ،ومن السهل أن نستذكر شهداء الوطن، لكن الوفاء الحقيقي لهم أن يصبح الموت أقل حضورًا في حياة أبنائهم.

في الذكرى الرابعة والستين لثورة 26 سبتمبر، لا يحتاج اليمنيون إلى مزيد من الخطابات التي تقسمهم بين ماضٍ وحاضر، أو بين منتصر ومهزوم ما يحتاجونه هو استعادة المعنى البسيط والعميق للوطن: دولة تحمي الجميع، وقانون يسري على الجميع، وكرامة لا تستثني أحدًا، وسلام لا يكون هدنة بين حربين.

فسبتمبر الذي أشعل جذوة الحرية في وجدان اليمنيين لا ينبغي أن يبقى حبيس الذاكرة، ولا أن يتحول إلى شعار يتردد فيما تتآكل أحلام الجمهورية. إن استعادة سبتمبر تبدأ باستعادة الدولة، واستعادة الدولة تبدأ باستعادة الإنسان وكرامته وحقه في وطن آمن وعادل. ذلك هو العهد الذي لم يكتمل، والحلم الذي لا يجوز أن ينكسر، واليمن الذي يستحقه اليمنيون على امتداد أرضه، في جغرافيا اليمن الجمهوري، وطن حرً جمهوري، يتسع للجميع ولا ينحني إلا لكرامة أبنائه.