تاريخ النشر: 03.10.2026 | 06:23 GMT
لم تعد الأسئلة التي تحيط بالدراما السورية مرتبطة بعدد الأعمال التي تنتجها أو بمواعيد عرضها فقط، بل باتت تتصل بما تتركه هذه الأعمال في ذاكرة الناس، وما تقوله عن المجتمع، وكيف يمكن لصناعة الدراما أن تستعيد حضورها وتأثيرها من دون أن تفقد قدرتها على الترفيه.
هذا السؤال كان محور الندوة الحوارية "الدراما السورية بين التأثير والترفيه"، التي أقامتها اللجنة الوطنية للدراما بالشراكة مع لجنة صناعة السينما والتلفزيون في فندق البوابات السبع بدمشق، بمشاركة الفنان جمال سليمان، وأمين سر اللجنة الوطنية للدراما نضال الحبال، ورئيس لجنة صناعة السينما والتلفزيون علي عنيز، إلى جانب عدد من الفنانين والكتاب والمخرجين والمنتجين والمهتمين بالشأن الدرامي.
وفي افتتاح الندوة، أكد نضال الحبال أن الدراما قادرة على الوصول إلى الجمهور من خلال الحكاية، فهي لا تقدم الترفيه بمعزل عن التأثير، بل تجعل القصة وسيلة لطرح الأسئلة وفتح النقاش حول قضايا المجتمع، مشيرا إلى أن الدراما السورية استطاعت على مدى عقود أن تنقل حكايات السوريين إلى ملايين المشاهدين في العالم العربي.
جمال سليمان: العمل الذي يعيش لا ينتهي بانتهاء عرضه
من زاوية مختلفة، وضع الفنان جمال سليمان النقاش أمام تجربة "الفصول الأربعة"، بوصفها نموذجا لعمل جمع بين المتعة والتأثير، واستطاع أن يتجاوز زمن عرضه ليصبح جزءا من الذاكرة السورية.
وأشار سليمان إلى أن المسلسل، الذي عرض للمرة الأولى عام 1999 وأعيد عرضه لاحقا، لم يكن قائما على أحداث استثنائية، بل اقترب من تفاصيل الحياة اليومية وعلاقات أفراد الأسرة ومحيطهم، إلا أن هذه التفاصيل البسيطة جعلته قريبا من الناس وقابلا للبقاء في ذاكرتهم.
RTوبعد مرور سنوات طويلة على عرضه، يقول سليمان إن المشاهدين الذين تابعوه في طفولتهم أو شبابهم أصبحوا اليوم يشاهدونه مع أبنائهم، في صورة تكشف قدرة الدراما على الانتقال من جيل إلى آخر عندما تنجح في تقديم حكاية تمس الإنسان.
ويرى سليمان أن قوة الدراما لا تقاس فقط بقدرتها على تحقيق انتشار سريع، وإنما بقدرتها على البقاء، مستشهدا بأعمال سورية مثل "الفصول الأربعة" و"خان الحرير" و"سيرة آل الجلالي" و"ضيعة ضايعة"، التي بقيت حاضرة لدى الجمهور بعد سنوات من إنتاجها.
وفي حديثه عن المرحلة الراهنة، توقف عند ما وصفه بحضور نزعة "ثأرية" أو "تشف" في بعض النصوص الجديدة، معتبرا أن الكاتب مهما كانت تجربته الشخصية أو موقفه مما جرى، عليه أن ينتبه إلى أنه يكتب لجمهور واسع داخل سورية وخارجها.
وحذر من أن تحويل الدراما إلى مساحة لتصفية الحسابات قد يمنح بعض الأعمال صدى في لحظة مشحونة، لكنه لا يضمن لها الاستمرار، مؤكدا أن العمل الذي يبقى هو الذي يستطيع مخاطبة الناس بعيداً عن الانفعال الآني.
المرأة.. أصل الحكاية
وتناول سليمان أيضا صورة المرأة في الدراما السورية، مشددا على أهمية حضور الكاتبة في صياغة الشخصيات والقضايا التي تخص النساء.
واستعاد في هذا السياق تجربة "الفصول الأربعة"، موضحا أن الفكرة الأساسية للعمل كانت مرتبطة بعلاقته بأخته وصديقاتها، وأنه طرح منذ البداية أن تكتب العمل امرأتان، فجمع بين دلع الرحبي وريم حنا، لتخرج التجربة لاحقا بالشكل الذي عرفه الجمهور.
RTوأشار إلى أن الدراما السورية عرفت منذ مراحل مبكرة اهتماما بقضايا المرأة، وربط بعض كتابها بين تحرير المجتمع وتغيير الصورة التقليدية للمرأة، لافتا إلى عدد من الأعمال والشخصيات التي قدمت نماذج نسائية مختلفة عن الصورة النمطية.
التأثير يمر من بوابة الترفيه
أما نضال الحبال، فأعاد النقاش إلى جوهر عنوان الندوة، موضحا أن الدراما ليست أمام خيار حاسم بين أن تكون مؤثرة أو ترفيهية، لأن التأثير نفسه يمكن أن يصل إلى الجمهور من خلال الترفيه.
وأوضح أن المشاهد لا يتلقى الأفكار بوصفها دروسا مباشرة، وإنما يدخل إلى العمل عبر القصة والشخصيات والصراع، ومن خلالها يتشكل موقفه أو يطرح أسئلته الخاصة.
واستند الحبال إلى أمثلة من التراث الأدبي العربي، مشيرا إلى أن الحكاية والصورة والوصف كانت أدوات أساسية لدى الشعراء للوصول إلى المعنى الذي يريدونه، وهو ما يمكن إسقاطه على الدراما باعتبارها فنا يعتمد على الحكاية لإيصال فكرته.
وشدد كذلك على أهمية أن تكون الدراما السورية قريبة من الواقع السوري، وأن تقدم صورة حقيقية عن المجتمع وتاريخه وقيمه، بعيدا عن التشويه أو التنميط، مع تطوير آليات تقييم النصوص ورفع مسؤولية الكاتب تجاه ما يقدمه للجمهور.
وتطرق النقاش أيضاً إلى ضرورة استعادة حركة الإنتاج في سورية، وتشجيع الشركات العربية على العودة إلى التصوير والإنتاج فيها، بما يساهم في تنشيط الصناعة وفتح المجال أمام المواهب الجديدة.
الدراما ليست موسما تلفزيونيا فقط
من جهته، تناول علي عنيز المسألة من زاوية الصناعة، مؤكداً أن استعادة مكانة الدراما السورية تحتاج إلى التعامل معها كصناعة متكاملة، لا كمجموعة أعمال موسمية.
وأشار إلى أهمية توفير بيئة إنتاج قادرة على جذب الشركات السورية والعربية، وتسهيل عمل المنتجين وفرق التصوير، والعمل على إزالة العقبات التي تعترض العملية الإنتاجية، بما يتيح عودة سورية إلى خارطة التصوير والإنتاج العربي.
وبحسب عنيز، فإن الدراما مطالبة بالحفاظ على توازن بين القيمة الفكرية والاجتماعية وبين عنصر الترفيه، بحيث لا تتحول الرسالة إلى خطاب مباشر يفقد العمل جاذبيته، ولا يصبح الترفيه هدفا منفصلا عن القضايا التي يعيشها المجتمع.
وأبدى تفاؤلا بالموسم الإنتاجي المقبل، وبإمكانية حضور الدراما السورية بأعمال جديدة من حيث الكم والانتشار، بالتوازي مع العمل على إعادة بناء البيئة التي تسمح للصناعة بالنمو.
مداخلات الحضور.. الكاتب في الواجهة
وانتقلت الندوة في جانبها الأخير إلى مداخلات الحضور، حيث حضرت أسئلة الكتابة والرقابة وضعف النصوص وصورة المرأة، إلى جانب مستقبل الإنتاج ووسائل عرض الدراما.
وكان للكاتب مروان قاووق مداخلة شدد فيها على أن الترفيه يبدأ من النص، وأن الكاتب هو من يضع الحكاية التي تمنح العمل قدرته على جذب المشاهد، قبل أن تتكامل أدوات المخرج والممثل في تقديمها.
ورأى قاووق أن الكاتب يكتب عن الناس ومعاناتهم وحكاياتهم، ويمكنه الاستفادة من تجربته الشخصية وذاكرته، لكن من دون أن تتحول التجربة إلى مساحة للانتقام أو تصفية الحسابات، مؤكدا أن الرسائل والأفكار تصل بصورة أكثر تأثيرا عندما تأتي من خلال قصة ممتعة وقادرة على شد الجمهور.
وتقاطعت المداخلات مع نقاش سابق نظمته اللجنة حول "الدراما والمجتمع بين الحرية والمسؤولية"، أظهر وفق نتائج الاستبيان الذي طرح خلاله أن 83% من المشاركين يرون في ضعف الكتابة وتكرار الأفكار من أبرز مشكلات الدراما السورية، مع توصيات بدعم الكتاب السوريين وتطوير آليات قراءة النصوص وفتح المجال أمام المواهب الشابة.
وفي نهاية الندوة، بدا السؤال أكبر من المفاضلة بين "التأثير والترفيه"، فالتحدي المطروح أمام الدراما السورية يتمثل في إنتاج حكاية قادرة على جذب المشاهد أولا، ثم ترك أثرها فيه، من دون أن تتحول إلى خطاب مباشر أو انعكاس لانفعالات اللحظة.
المصدر: RT