صنعاء | متابعات خاصة:
في ظل واقع معيشي بلغ ذروة المأساوية وشحّ غير مسبوق في فرص العمل، تواصل جماعة الحوثي اختلاق أزمات جديدة تضيق الخناق على المدنيين في مناطق سيطرتها. وفي خطوة تعكس حجم الإفلاس التكتيكي والارتباك العسكري، تكثف الميليشيات في الآونة الأخيرة حملات شراء واسعة النطاق لمئات الدراجات النارية من الأسواق المحلية، مسخرةً إياها للجهد الحربي؛ وهو ما أدى إلى قفزات جنونية في الأسعار وتجفيف المعروض، محولةً هذه الوسيلة البسيطة – التي كانت طوق نجاة لمئات الآلاف من الشباب والعمال – إلى أدوات قتل وتدمير تزيد من أعباء المواطنين.
مشتريات محمومة واستنزاف للأسواق
كشفت مصادر محلية مطلعة في العاصمة صنعاء لصحيفة "الشرق الأوسط"، عن تخصيص قيادات حوثية أموالاً طائلة خلال الأسبوعين الماضيين لشراء مئات الدراجات النارية دفعة واحدة من أسواق صنعاء، وعمران، والحديدة، وذمار، وإب.
وتؤكد المعطيات أن هذا التوجه المحموم جاء إثر إخفاق الجماعة الذريع في استقطاب وإقناع مالكي الدراجات وسائقيها بالانضمام الطوعي إلى جبهات القتال، مما دفعها إلى اللجوء للشراء المباشر والواسع من المعارض التجارية لتوزيعها فوراً على عناصرها في الخطوط الأمامية.
بديل تكتيكي لعجز الآليات وانكشاف التعزيزات
ويأتي هذا الاستنزاف المكثف للدراجات النارية في توقيت تشهد فيه خطوط الإمداد الحوثية ضربات جوية وميدانية موجعة خلال الأسابيع الأخيرة أطاحت بالعديد من آلياتها العسكرية الثقيلة، بالتزامن مع أزمة خانقة وحادة في إمدادات الوقود.
وفي هذا السياق، تلجأ الميليشيات إلى الدراجات النارية لكونها وسيلة مراوغة وسريعة للتحرك عبر الشعاب، ومجاري السيول، والمسالك الجبلية الوعرة التي تعجز الآليات الثقيلة عن اجتيازها؛ حيث تُستخدم بكثافة في نقل المقاتلين، وتهريب الشحنات العسكرية والإمدادات، وإخلاء القتلى والجرحى، تماماً كما جرت العادة في جبهات تعز، والضالع، والساحل الغربي، في استمرار لأسلوب قتالي دأبت الجماعة على استخدامه بفضل خفتها وصغر حجمها.
منافسة غير متكافئة تقصي الشباب عن "رأس مالهم البسيط"
تفرض هذه الهيمنة الحوثية على سوق الدراجات منافسة قاسية وغير متكافئة، وتضع السكان أمام جبهة معاناة إضافية. فبالنسبة لآلاف الشباب والبطالة الناشئة في مناطق سيطرة الحوثيين، لا تمثل الدراجة النارية مجرد وسيلة تنقل عادية، بل هي "رأس المال الوحيد" والمشروع التجاري المصغر الذي يُعتمد عليه لكسب لقمة العيش، سواء عبر توصيل الطلبات، أو نقل البضائع، أو العمل بالأجرة لتغطية الحد الأدنى من متطلبات الحياة الأسرية.
وفي شهادات حية رصدتها الصحيفة، أكد مواطنون أن الارتفاع الفاحش في الأسعار يهدد بحرمان قطاع واسع من الشباب من فرصة عملهم الوحيدة. من جهته، كشف مالك معرض لبيع الدراجات النارية جنوب صنعاء، في تصريح خاص، أن مشرفين حوثيين أقدموا خلال أسبوعين فقط على شراء العشرات من الدراجات من معروضه بمفرده.
وأوضح المصدر أن أسعار الدراجة الواحدة تتراوح ما بين 280 ألفاً و500 ألف ريال يمني (بحسب سعر الصرف الذي تفرضه الجماعة عند نحو 530 ريالاً للدولار)، لافتاً إلى أن هذا الإقبال الموجه والمفاجئ تسبب في تضخم سعري هائل، جعل تأمين رأس مال بديل لبدء مشروع بسيط أمراً مستحيلاً يفوق طاقة وقدرات أي شاب مكافح.
وبهذا السلوك، تُثبت الميليشيات مجدداً إمعانها في تجريف ما تبقى من سبل العيش الكريم، مقايضةً لقمة عيش المواطن وبساطة طموحات الشباب بآلة الحرب والتدمير، في مشهد يعمق أزمة الفقر المدقع في مناطق سيطرتها.