أثار توقف عدد من شركات الصرافة عن بيع العملات العربية والأجنبية في العاصمة عدن ومدينة المكلا بحضرموت مخاوف من عودة المضاربات في سوق الصرف، بالتزامن مع تصاعد التوترات العسكرية، وسط تحذيرات من استغلال حالة القلق الشعبي لإحداث اضطرابات اقتصادية جديدة تنعكس مباشرة على الأوضاع المعيشية للمواطنين.
وقال مواطنون في عدن والمكلا إن شركات صرافة بدأت تتوقف عن بيع العملات، وفي مقدمتها الريال السعودي، رغم استمرارها في شرائه من المواطنين بسعر ثابت يبلغ نحو 410 ريالات يمنية للريال السعودي الواحد، في وقت أصبح الحصول على العملة السعودية من شركات الصرافة شبه متعذر.
وأوضح المواطنون أن هذا التباين دفع بعض التجار وأصحاب المتاجر إلى بيع الريال السعودي بنحو 420 ريالًا يمنيًا، بفارق يصل إلى عشرة ريالات عن السعر الذي تشتري به شركات الصرافة العملة من المواطنين، ما يفتح الباب أمام تفاوت الأسعار وتوسّع هامش المضاربة، ويزيد الأعباء على المواطنين الذين يعتمدون على الريال السعودي في معاملاتهم اليومية.
ويثير هذا المشهد تساؤلات بشأن أسباب امتناع شركات الصرافة عن البيع، في مقابل استمرار الشراء، ومدى ارتباط ذلك بشح المعروض النقدي أو الترقب في السوق أو محاولات الاستفادة من المخاوف المرتبطة بالتطورات العسكرية. ولا يمكن الجزم بوجود مضاربة منظمة أو تحديد الجهات المسؤولة عنها من دون بيانات رقابية موثقة.
جبهة اقتصادية موازية
وتأتي هذه التطورات وسط مخاوف اقتصادية من أن يتحول سوق الصرف والتحويلات المالية إلى جبهة موازية للصراع العسكري، خصوصًا مع حساسية السوق اليمنية لأي اضطرابات في تداول العملات الأجنبية، وما يمكن أن يترتب عليها من ارتفاع تكاليف الاستيراد وأسعار السلع والخدمات.
وكان الريال اليمني قد حافظ، وفق البيانات الواردة في التقديرات الاقتصادية المتداولة، على استقرار نسبي في مناطق الحكومة المعترف بها دوليًا منذ الإصلاحات النقدية التي بدأت أواخر يوليو ومطلع أغسطس 2025، إذ استقر سعر الدولار عند حدود 1558 ريالًا يمنيًا، والريال السعودي عند نحو 410 ريالات.
غير أن الفترة الأخيرة شهدت، بحسب التقديرات نفسها، ارتفاعًا إلى نحو 1580 ريالًا للدولار و420 ريالًا للريال السعودي، وسط مخاوف من أن تتحول التحركات المحدودة إلى موجة اضطراب أوسع إذا اتسعت المضاربات أو تراجعت قدرة الجهات الرقابية على ضبط السوق.
ويرى اقتصاديون أن التغيرات السعرية المحدودة لا تكفي وحدها لإثبات حدوث تحول هيكلي في قيمة العملة، محذرين في الوقت نفسه من استغلال التوترات العسكرية وحالة عدم اليقين لتحقيق مكاسب سريعة على حساب المواطنين، لا سيما في ظل التدهور المعيشي وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
مخاوف من توظيف الصرف
وتتزايد المخاوف من لجوء مليشيا الحوثي، في حال اتساع المواجهات العسكرية، إلى استخدام الأدوات الاقتصادية والمالية للضغط على الحكومة اليمنية والمناطق المحررة، عبر التأثير في حركة التحويلات النقدية والاستفادة من فروق أسعار الصرف بين مناطق سيطرتها والمناطق الخاضعة للحكومة.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن الفوارق السعرية ورسوم التحويلات تمثل أحد مصادر الاستفادة المالية في السوق المنقسمة نقديًا، إلا أن تحديد حجم العائدات والجهات المستفيدة منها يتطلب بيانات موثقة بشأن حركة الأموال وأسعار الصرف والرسوم المفروضة.
وفي المقابل، فإن استمرار امتناع شركات الصرافة عن بيع العملات، إذا اتسع نطاقه، قد يخلق سوقًا موازية ترتفع فيها الأسعار بعيدًا عن آليات التداول المعتادة، ويمنح بعض التجار والمضاربين فرصة لفرض أسعار أعلى، بما يضاعف خسائر المواطنين الذين يضطرون إلى شراء العملة لتلبية احتياجاتهم أو تسوية معاملاتهم التجارية.
وتضع هذه التطورات الجهات النقدية والرقابية أمام اختبار جديد لفاعلية إجراءات ضبط سوق الصرف، بما يشمل التحقق من أسباب توقف البيع، ومراقبة الفوارق السعرية، وضمان شفافية التسعير وتوافر العملات، ومحاسبة أي مخالفات تثبتها الجهات المختصة.
ويظل الحفاظ على الاستقرار النقدي مرهونًا بقدرة الجهات المختصة على احتواء الاضطرابات، ومنع توظيف المخاوف العسكرية في تحقيق مكاسب غير مشروعة، وحماية المواطنين من انتقال أي اضطراب في سوق الصرف إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية.