خاص ( البعد الرابع) غرفة الأخبار
نشر في الأحد , 1 نوفمبر ,2026-09:42 مساءً
بقلم: توفيق جوزليت ✒️
ليس من حق أي قيادة سياسية أن تعتبر التفويض الشعبي شيكاً مفتوحاً، وليس من مصلحة القضية الجنوبية أن تتحول مؤسساتها السياسية إلى هياكل شكلية لا تستجيب للنداءات الداخلية ولا لمطالب الرأي العام.
تطرح هذه الإشكالية سؤالاً مؤسسياً وسياسياً جوهرياً يتعلق بمستقبل المجلس الانتقالي الجنوبي، وبقدرته على إدارة القضية الجنوبية وتمثيل تطلعات الشارع الجنوبي. فالمسألة لا تتعلق بمجرد غياب بعض الاجتماعات أو تأخر اتخاذ القرارات، وإنما بمدى فاعلية المؤسسات داخل المجلس، وقدرتها على الاستماع إلى قياداته، واستيعاب النقد الداخلي، والتفاعل مع المطالب التي يعبر عنها الرأي العام الجنوبي.
ويمكن تناول هذه الإشكالية من خلال خمسة محاور أساسية:
"أولاً: غياب المؤسسات الفاعلة"
لا يمكن لأي كيان سياسي أن يستمر في أداء دوره اعتماداً على مكانة قيادته أو الحضور السياسي لرئيسه وحده. فالمؤسسات هي التي تضمن استمرارية العمل، وتوزيع المسؤوليات، وصناعة القرار، ومراقبة الأداء. وأي تراجع لدورها ينعكس بالضرورة على قدرة الكيان السياسي على إدارة مشروعه وتحقيق أهدافه.
"ثانياً: تهميش الرأي الداخلي"
عندما تصدر نداءات وملاحظات من شخصيات قيادية داخل المجلس، ولا تجد قنوات مؤسسية لمناقشتها والتفاعل معها، فإن ذلك يضعف الحوار الداخلي ويحد من فرص تصحيح الاختلالات. فالاختلاف في الرأي ليس تهديداً لوحدة المجلس، بل يمكن أن يكون مصدراً لتطوير أدائه إذا وجد البيئة المؤسسية المناسبة.
"ثالثاً: تجاهل الرأي العام الجنوبي"
المليونيات والتفويض الشعبي لا ينبغي أن يتحولا إلى بديل عن المساءلة السياسية. فالجماهير التي تمنح الثقة من حقها أن ترى استجابة لمطالبها، وأن تجد مؤسسات تصغي إليها وتتفاعل مع تطلعاتها. فالتفويض الشعبي مسؤولية متجددة، وليس تفويضاً مطلقاً يعفي القيادة من المراجعة والمحاسبة.
"رابعاً: اختزال المشروع السياسي في الأشخاص"
إن مستقبل القضية الجنوبية لا ينبغي أن يرتبط بأشخاص مهما كانت مكانتهم أو شعبيتهم. فالمشروع الوطني يحتاج إلى مؤسسات سياسية وقانونية ودبلوماسية واقتصادية قادرة على تحويل الأهداف السياسية إلى برامج قابلة للتنفيذ، وعلى ضمان استمرارية المشروع بصرف النظر عن تغير القيادات والمواقع.
"خامساً: غياب آليات المحاسبة والتصحيح"
ينبغي أن تكون هناك آليات واضحة لتقييم أداء القيادات والمؤسسات، ومراجعة القرارات، ومناقشة أوجه القصور، وإتاحة المجال أمام النقد المسؤول. فالمؤسسة التي لا تراجع أداءها ولا تحاسب القائمين عليها تفقد تدريجياً قدرتها على التطور والاستجابة لمتطلبات المرحلة.
"من النقد المؤسسي إلى مسؤولية القيادة"
إن الخطر الذي يواجه القضية الجنوبية لا يرتبط فقط بالتحديات الإقليمية والدولية أو بالتباينات في المواقف السياسية، بل يرتبط أيضاً بقدرة الحامل السياسي للقضية على تطوير مؤسساته، والاستجابة لمطالب جمهوره، وإدارة الاختلاف داخل صفوفه.
إن من أكثر الأخطاء التي يمكن أن ترتكبها أي قيادة سياسية أن تخلط بين التفويض الشعبي والحق في الانفراد بالقرار، وبين الالتفاف الجماهيري حول مشروع وطني والقبول غير المشروط بأداء القائمين عليه.
ولعل ما ينبغي أن تدركه قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي اليوم هو أن تجاهل النداءات الصادرة من داخل مؤسساتها، وعدم الاستماع إلى الأصوات الناقدة، وتأجيل معالجة الاختلالات التنظيمية والسياسية، قد تتحول مع مرور الوقت إلى مشكلة سياسية تمس الثقة بين القيادة وقواعدها الشعبية.
كما أن اختزال العمل السياسي في الأشخاص، وتراجع دور المؤسسات، وغياب آليات واضحة للمساءلة والتقييم، كلها ممارسات تستحق مراجعة جادة؛ لأن التاريخ السياسي لا يقيس القيادات بما رفعته من شعارات فحسب، وإنما بما أنجزته من مؤسسات، وما اتخذته من قرارات، وما تركته من نتائج.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه القضية الجنوبية ليس اختلاف الآراء داخل صفوفها، وإنما إغلاق قنوات الحوار، وتعطيل المؤسسات، وتحويل النقد المسؤول إلى أمر غير مرغوب فيه.
وعلى قيادة المجلس أن تدرك أن الجماهير التي منحتها التفويض ليست مجرد جمهور للتعبئة والحشد، بل هي صاحبة قضية وتطلعات وحقوق، ومن حقها أن تسأل عن القرارات، وأن تحاسب على الأداء، وأن تطالب بالتغيير والإصلاح.
إن الشعب الجنوبي الذي يطمح إلى استعادة دولته يحتاج اليوم إلى مؤسسات تتصرف بعقل الدولة، لا إلى تنظيم يكتفي بإدارة الحضور السياسي والجماهيري. فالقضية الجنوبية أكبر من الأشخاص، واستعادة الدولة أكبر من أي تنظيم سياسي، والقيادة الحقيقية هي التي تدرك أن مسؤوليتها ليست احتكار القرار، بل بناء المؤسسات التي تحمي المشروع الوطني وتضمن استمراريته.