اليمن في الصحافة الخارجية

كيف أنهت "قنبلة القيصر" السوفيتية السباق النووي بين الدول الكبرى

روسيا اليوم- اخبار 02/11/2026 13:30 430 مشاهدة
كيف أنهت "قنبلة القيصر" السوفيتية السباق النووي بين الدول الكبرى
20 خبر

العلوم والتكنولوجيا

تاريخ النشر: 02.11.2026 | 10:29 GMT

استخدم الاتحاد السوفيتي، قبل 65 عاما، وتحديدا في 30 أكتوبر 1961، قنبلة اندماجية بلغت قوتها نحو 50 ميغاطن، عُرفت لاحقا باسم "قنبلة القيصر" أو "إيفان الكبير".

مع اقتراب الحرب الباردة من ذروتها، امتلكت الولايات المتحدة صواريخ "أطلس" و"تايتان" القادرة على بلوغ المدن السوفييتية، في حين كان الاتحاد السوفييتي يفتقر إلى الصواريخ العابرة للقارات. وأمام ذلك، طرح القادة السوفييت مهمة بدت أقرب إلى الخيال، تمثلت في صنع قنبلة ذات قوة هائلة، بحيث يكون انفجار واحد كفيلا بمحو منطقة كاملة من على وجه الأرض. ولم يكن الدافع وراء هذا القرار ضرورة عسكرية في ميدان المعركة، بل الرغبة في بث الرعب في نفوس الخصوم المحتملين.

وأُسندت المهمة إلى فريق بقيادة يولي خاريتون، فيما وضع المخطط الفيزيائي كل من أندريه ساخاروف وفيكتور أدامسكي ويوري تروتنيف ويوري باباييف. وكان المخطط الأولي يقضي بتصميم قنبلة تبلغ قوتها 100 ميغاطن، لكن العلماء قرروا لاحقا خفضها إلى 50 ميغاطنا، خشية أن يؤدي تفجير الشحنة بكامل قوتها إلى انتشار سحابة إشعاعية فوق مناطق مأهولة بالسكان.

وفي 30 أكتوبر 1961، أقلعت قاذفة استراتيجية من طراز "تو-95 في" من مطار أولينيا. وأُدخلت تعديلات على تصميمها، شملت إزالة أبواب حجرة القنابل، وإنشاء تجويف أسفل جسم الطائرة لتعليق قنبلة بلغ وزنها 26 طنا، أي ما يعادل وزن دبابة خفيفة. وتولى المقدم أندريه دورنوفتسيف قيادة الطائرة، فيما رافقتها عدة طائرات أخرى، إحداها لتسجيل بيانات الانفجار، وأخرى لمراقبة الأوضاع.

وأُسقطت القنبلة من ارتفاع 10 آلاف و500 متر، وانفجرت على ارتفاع نحو 4200 متر، بعد 188 ثانية من إسقاطها. وكانت الطائرة قد ابتعدت مسافة تقارب 40 كيلومترا عن موقع الانفجار، إلا أن موجة الصدمة لحقت بها، فاهتزت بعنف، كما لو أنها اصطدمت بمعبر للسكك الحديدية. وانقطع الاتصال اللاسلكي لمدة 40 دقيقة، بسبب شدة تأيّن الغلاف الجوي، التي حالت دون نفاذ الموجات الراديوية. ومع ذلك، تمكنت الطائرة من العودة، ونجا جميع أفراد طاقمها.

وفي 30 أكتوبر 1961، أضاء وميض هائل السماء فوق أرخبيل "نوفايا زيمليا"، وكان بالإمكان رؤيته من مسافة ألف كيلومتر، فيما تحولت السماء إلى اللون الأبيض. ودارت موجة الصدمة حول الأرض ثلاث مرات، وارتفعت السحابة النووية إلى علو 67 كيلومترا. ولم يكن العالم، بحسب وصف الرواية، يفصله عن كارثة كبرى سوى ضغطة زر واحدة.

وشهدت الأرض ما يُعرف بالتأثير الجيوفيزيائي للانفجار؛ إذ اقتُلعت الأشجار من جذورها في مستوطنة مهجورة على بعد 400 كيلومتر من مركزه، وفي منطقة لابلاند الفنلندية، التي تبعد أقل من ألف كيلومتر عن نوفايا زيمليا، رنّت الأطباق في أحد المنازل الواقعة على ضفاف بحيرة.

ثمن الاستعراض

وتُقدّر قوة "قنبلة القيصر" رسميا بنحو 50 إلى 58 ميغاطنا، أي ما يعادل نحو ثلاثة آلاف ضعف قوة قنبلة هيروشيما، ونحو عشرة أضعاف القوة الإجمالية لجميع الذخائر المستخدمة خلال الحرب العالمية الثانية. لكن لهذه القوة الهائلة جانبا آخر، يتمثل في مستوى الإشعاع الناجم عن الانفجار.

وفي السنوات الأولى التي أعقبت التجربة، بلغ مستوى الإشعاع في مركز الانفجار حدا حال دون تمكن اللجنة من تقييم الأضرار إلا في مطلع عام 1962. وفي لابلاند الفنلندية، لا يزال الأطباء يتجادلون بشأن تفشي الأمراض السرطانية. ويعتقد السكان المحليون أن التجربة النووية كانت السبب، لكن إثبات وجود علاقة علمية مباشرة بين الأمرين أمر بالغ الصعوبة. كما رُصد السيزيوم-137 المشع في أجسام رعاة الرنة من شعب السامي.

الاعتراف بالتفوق

لم يكن الانفجار نقطة تحول في البرنامج النووي السوفييتي فحسب، بل امتدت تداعياته إلى السياسة العالمية. واضطرت الولايات المتحدة إلى الإقرار بأن الاتحاد السوفييتي بات يمتلك سلاحا تفوق قوته ما أُنتج في الولايات المتحدة. غير أن التجربة أظهرت في الوقت نفسه أن استخدام سلاح بهذه القوة لا جدوى عملية منه؛ إذ لا يصلح للاستخدام في ساحة المعركة، وإنما يقتصر دوره على استعراض القوة.

وقال الزعيم السوفييتي آنذاك، نيكيتا خروتشوف، خلال المؤتمر الثاني والعشرين للحزب الشيوعي: "قلنا إن لدينا قنبلة بقوة 100 مليون طن من مادة تي إن تي، وهذا صحيح. لكننا لن نفجر مثل هذه القنبلة، لأننا إذا فجرناها حتى في أبعد المناطق، فقد نحطم النوافذ في بلادنا أيضا".

وهكذا، لم تكن "قنبلة القيصر" بداية سباق تسلح نووي جديد، بل أصبحت رمزا لنهايته، بعدما أظهرت أن بلوغ أقصى درجات القوة التدميرية لا يعني بالضرورة امتلاك سلاح قابل للاستخدام عمليا.

المصدر: روسيسكايا غازيتا