تحت وطأة المتغيرات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، يبرز اليمن اليوم ليس مجرد جبهة قتال محلية، بل كساحة استراتيجية مركزية وضعت فيها طهران ثقلها العسكري والسياسي الأكبر.
ومع انطلاق عملية "فجر اليمن العسكرية التي تقودها القوات الحكومية كشفت التحركات الميدانية والدبلوماسية الأخيرة عن تحول حاسم في العقيدة العسكرية الإيرانية، حيث باتت الجغرافيا اليمنية الاستثمار الأخير، والأكثر أهمية لتعويض التراجعات والانكفاءات التي أصابت شبكة أذرع طهران في الإقليم.
غرفة العمليات المشتركة.. إدارة مباشرة من الحرس الثوري وحزب الله
لم يعد الدعم الإيراني لمليشيا الحوثي يقتصر على الشحنات المهربة عبر البحار، بل انتقل إلى مرحلة الإدارة والقيادة المباشرة.
وهو ماتؤكده مصادر حكومية واستخباراتية يمنية أن الحرس الثوري الإيراني، بالتعاون مع خبراء من حزب الله اللبناني، يتولون بشكل كامل إدارة التخطيط العملياتي للمعارك الأخيرة في محاور لحج، وتعز، والساحل الغربي.
هذا الحضور لم يعد سرياً؛ إذ أشارت وزارة الداخلية اليمنية مؤخراً إلى رصد وتحديد مواقع تحرك أكثر من 21 خبيراً عسكرياً أجنبياً يقودون المعارك على الأرض.
ويرى مراقبون أن طهران نقلت ثقلها الاستشاري واللوجستي إلى اليمن لضمان عدم انهيار هذا المحور الحيوى المطل على ممرات الملاحة الدولية في باب المندب، مستغلةً التضاريس المعقدة والقرب الجغرافي من القرن الأفريقي لتثبيت أقدامها.
تعويض الانكسارات الإقليمية.. اليمن كمنصة للرد البديل
ترتبط الكثافة العسكرية غير المسبوقة لمليشيا الحوثي بالوضع الإقليمي العام لإيران.
فمع تعرض شبكة النفوذ التقليدية لطهران في الهلال الخصيب لضربات وهزات استراتيجية كبرى، تحول اليمن إلى المسرح المعوض.
حيث تسعى إيران من خلال هذا المسرح إلى إثبات قدرتها المستمرة على تهديد أمن الطاقة العالمي وممرات التجارة، فضلاً عن استئناف الهجمات العابرة للحدود بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة طويلة المدى الموجهة نحو المنشآت الحيوية والمطارات في عمق دول الجوار.
هذا التصعيد الحوثي يمنح طهران أوراق ضغط سياسية قوية على الطاولة الدولية، موجهةً رسالة مفادها أن إضعاف نفوذها في عواصم إقليمية أخرى سيقابله تفجير شامل للوضع من البوابة الجنوبية لشبه الجزيرة العربية.
معركة الساحل وباب المندب.. خنق الملاحة كورقة ضغط دولية
تتركز الاستراتيجية الإيرانية الراهنة في اليمن على السيطرة أو التأثير المباشر على خطوط الملاحة البحرية.
وتفسر حدة المعارك في جبهات المقاطرة وطور الباحة شمالي لحج، والتحركات الحوثية المستمرة في محاولة للتقدم نحو العاصمة المؤقتة عدن، الرغبة في إحكام الطوق على مضيق باب المندب بالكامل.
بالنسبة لطهران، وبحسب خبراء فإن امتلاك القدرة على تهديد السفن التجارية وناقلات النفط يعد الورقة الرابحة الأقوى في مواجهة الضغوط الاقتصادية والدولية المفروضة عليها.
وتستميت المليشيا، بدفع إيراني، لتحقيق أي اختراق ميداني يعيد صياغة شروط التفاوض المستقبلية ويجبر المجتمع الدولي على التراجع عن تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية.
التحرك الحكومي المضاد.. حشد الدبلوماسية لقطع شريان طهران
أمام هذا التغلغل الإيراني المباشر، وضعت الحكومة الشرعية اليمنية مواجهة التدخل الأجنبي في مقدمة أولوياتها السياسية والعسكرية.
ولم يعد الخطاب الرسمي اليمني يصف المعركة بأنها انقلاب داخلي فحسب، بل معركة دفاع أصيلة ضد مشروع توسعي إيراني.
وفي هذا السياق، كثفت الدبلوماسية اليمنية تحركاتها في العواصم الأوروبية، لا سيما باريس ولندن، لحشد الدعم الدولي لعملية "فجر اليمن"، والمطالبة بتجفيف منابع التمويل والتهريب الإيراني.
ويشير سياسيون بأن الحكومة اليمنية، تسعى إلى تحويل الزخم الميداني الحالي إلى ضغط سياسي دولي يفرض عقوبات صارمة على شبكات التهريب التابعة للحرس الثوري، باعتبار أن مفتاح اسقاط الانقلاب الحوثي واستعادة الدولة في اليمن يبدأ من قطع الشريان العسكري الممتد من طهران إلى جبال صنعاء وسواحل الحديدة.