في قلب اليمن، تعز حيث تتقاطع الجبال مع التاريخ، وتتعانق المدن مع الألم، تقف الحالمة العصية كرمزٍ حيّ لصمود رفض الاستسلام، ورفض أن تُصادر كرامته تحت وطأة الحصار والقصف، السلالي الإرهابي.
تحوّلت المدينة إلى ساحة معركة يومية، حيث يخوض أبناء تعز معركة البقاء، والقوات الحكومية معركة استعادة الأرض، والتحالف العربي معركة دعم الشرعية واستعادة السيادة.
ومع انطلاق عملية "فجر اليمن"، بدا الأمل يلوح من جديد في أفق مظلم، حيث حملت العملية في طياتها وعداً بكسر الحصار، واستعادة المبادرة، وإنهاء معاناة الملايين.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تحولت هذه العملية من رد فعل عسكري متقطع إلى استراتيجية حاسمة تُربك المليشيا الحوثية، وتُنهي الحصار، وتستعيد المبادرة؟
فمنذ سنوات، وتحديداً منذ سيطرة المليشيا الحوثية على أجزاء واسعة من اليمن، أصبحت تعز مدينة محاصرة، تعيش بين نار القصف وقيود الحركة. فالسكان، الذين كانوا يوماً ما يمارسون حياتهم الطبيعية، وجدوا أنفسهم أمام واقع قاسٍ؛ مدارس مغلقة، مستشفيات منهكة، طرق مسدودة، وسوق يعاني من نقص حاد في السلع الأساسية.
وتوثّق تقارير حقوقية صورة مأساوية للانتهاكات، حيث تم رصد 1444 انتهاكاً بحق المدنيين والأعيان المدنية خلال شهر أكتوبر 2026، شملت القتل والإصابة والاختطاف واستهداف المنشآت الصحية والتعليمية ودور العبادة.
كما وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات إطلاق نحو 356 مقذوفاً على مناطق سكنية خلال 73 ساعة، في ظل قيود متشددة على حركة السكان ووصول الإمدادات الأساسية.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات؛ إنها تعكس حياة أسر تعيش بين خطر القذائف، وصعوبة الوصول إلى المستشفيات، ونقص الغذاء والدواء، وتدهور الخدمات الأساسية.
وكلما طال الحصار، اتسعت الكلفة الإنسانية، وتحولت المدينة من ساحة مواجهة عسكرية إلى اختبار مباشر لقدرة الدولة والقوى المحلية والقوى السياسية والتشكيلات العسكرية على حماية المدنيين وكسر الحصار الحوثي.
ومع انطلاق عملية "فجر اليمن"، أعلن مجلس القيادة الرئاسي تنفيذ أكثر من 40 ألف عملية استهداف عسكرية، وتحييد نحو 20 ألف عنصر من المليشيا الحوثية، وإعطاب أكثر من 5 آلاف آلية.
وبلا شك تعكس هذه الحصيلة حجم الاستنزاف الذي تتلقاه المليشيا، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالاً عملياً؛ هل تُترجم هذه الضربات إلى تحول ميداني حاسم يكسر الحصار ويستعيد المبادرة؟ فالتحليل الميداني يشير إلى أن المعركة لم تعد تُقاس بعدد الضربات الجوية أو حجم الخسائر المعلنة، بل بقدرة القوات الحكومية على تحويل الاستنزاف إلى انتصارات ميدانية تفتح الطرق وتكسر الحصار.
وهذا من المؤكد يتطلب انتقالاً من منطق الرد الفعل إلى منطق المبادرة الاستراتيجية، حيث تُدار الجبهات بشكل متكامل، وتُستثمر النتائج العسكرية لتحقيق أهداف عسكرية وإنسانية واضحة.
خاصة وأن التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية يلعب دوراً محورياً في دعم القوات الحكومية، لكن استمرار الحصار وتأخر كسره يطرح تساؤلات حول كفاءة التنسيق بين الدعم العسكري والاحتياجات الميدانية. فالتحالف، بحكم قدراته العسكرية واللوجستية، يمتلك أدوات قادرة على تغيير موازين القوى، لكن فعالية هذه الأدوات تعتمد بشكل رئيس على سرعة الاستجابة لمتطلبات القوات الحكومية والسكان المتضررين.
ولا يقتصر الدور المطلوب على الضربات الجوية أو الدعم اللوجستي؛ بل يمتد إلى تأمين ممرات إنسانية، ودعم إجلاء الجرحى، وتسهيل وصول المساعدات.
فالحصار ليس مجرد أداة عسكرية، بل سلاح يهدد حياة المدنيين، ومعالجته يتطلب تنسيقاً عسكرياً وإنسانياً متكاملاً.
وهذا ما يجعل مجلس القيادة الرئاسي والقوات الحكومية يواجهان تحدياً مزدوجاً؛ الحفاظ على وحدة الصف السياسي والعسكري، وتعزيز الكفاءة الميدانية.
فالتصريحات الرسمية تؤكد استمرار العملية نحو تحقيق أهدافها، لكن الواقع الميداني يفرض الحاجة إلى خطط أكثر حسماً في كسر الحصار وتأمين الطرق الحيوية.
فالنجاح لا يُقاس فقط بعدد العمليات المنفذة، بل بالقدرة على تحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب استراتيجية، من تأمين المدن، وفتح الطرق، وحماية المدنيين، واستعادة السيطرة على الأرض، وهذا يتطلب، وبحسب خبراء عسكريين، تنسيقاً وثيقاً بين القيادات العسكرية والسياسية والإنسانية، وتجاوز أي فجوات في التواصل أو التخطيط، حيث إن جوهر التحدي يكمن في التحول من رد الفعل العسكري إلى تنفيذ المبادرة في الحرب. فالاستنزاف وحده لا يكفي؛ بل يجب استثماره لتحقيق أهداف واضحة، من كسر الحصار، وتحرير المناطق المحاصرة، وتهيئة الظروف لعودة الحياة الطبيعية.
هذا التحول يتطلب أيضاً تخطيطاً استراتيجياً، وتنسيقاً بين الجبهات، واستثمار النتائج العسكرية في تحقيق مكاسب ميدانية وإنسانية، حيث إن التأخر في كسر حصار تعز لم يعد مقبولاً إنسانياً وعسكرياً كما أكد عاملون في العمل الانساني والإغاثي وخبراء عسكريون، لأن كل يوم تأخير يعني مزيداً من المعاناة الإنسانية وتعقيداً للمسار العسكري.
لذلك، فإن الأولوية القصوى تتمثل في تحويل الزخم العسكري إلى نتائج ملموسة تخدم السكان وتعزز موقف الدولة.
في النهاية، لا يمكن فصل المسار العسكري عن المسار الإنساني والأمني، فالحرب في اليمن ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل أزمة إنسانية وأمنية معقدة تتطلب حسماً ميدانياً واستعادة كاملة للسيادة. ونجاح عملية "فجر اليمن" لن يُقاس فقط بعمليات الردع، وتحييد الخطر، بل أيضاً بقدرتها على تحسين حياة المدنيين، وكسر الحصار، واستعادة السيطرة على الأراضي.
والتحدي الحقيقي اليوم هو تحويل الإرادة العسكرية إلى نتائج ملموسة تخدم السكان وتعزز موقف الدولة، بحيث لا تبقى تعز رمزاً للصمود فحسب، بل تصبح نموذجاً لاستعادة الدولة والكرامة الإنسانية لكل اليمنيين.