أخبار محلية

"هيهات منا الذلة".. إلا أمام فاتورة الكهرباء وكيس البصل!

المنتصف نت- المنتصف نت 08/11/2026 22:42 197 مشاهدة
"هيهات منا الذلة".. إلا أمام فاتورة الكهرباء وكيس البصل!

يرتفع الصوت في كل محفل، وتتشنج الحناجر وهي تصرخ بالهتاف التاريخي الخالد: "هيهات منا الذلة". وهو شعار يجعلك تشعر للوهلة الأولى بأنك تنتمي إلى سلالة من الجبابرة الذين لا ينحنون لعاصفة، ولا يطأطئون رأسًا لظالم، وليس مجرد ذراع إيراني يستخدم الشعارات الرنانة لمداعبة المشاعر. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في "تفاصيل العقد" اليومي للمواطن الغلبان، حيث يبدو أن الشعار يعمل بكفاءة عالية في السياسة والخطابات الفارهة، لكنه يتعرض لـ"عطل فني" بمجرد دخولك إلى السوبرماركت!
نحن شعوب تعشق الأنفة، ونرفض الضيم نظريًا. نردد "هيهات" ونحن ننظر إلى أعالي القمم، لكننا ننحني بكامل إرادتنا، وبزاوية قائمة مثالية، لنبحث عن "فردة حذاء" قديمة في سوق البالة تناسب ميزانيتنا المتهالكة.
ذلة الطابور: أن تقف خمس ساعات في طابور الغاز، ليس لتقدم تضحية تاريخية، بل لتظفر بأسطوانة غاز تجعلك قادرًا على سلق بيضة.. هذا إذا وجدت البيضة أصلًا بسعر لا يتطلب قرضًا عقاريًا.
ذلة الفاتورة: أن تجلس في الظلام الدامس، مطفئًا كل الأجهزة الكهربائية، معتمدًا على ضوء القمر في سواحل مدينة الحديدة (رومانسية قسرية)، وهروبًا من شدة الحر، ثم تأتيك فاتورة الكهرباء برقم فلكي يجعلك تتساءل: هل كنت أشحن مركبة فضائية في الصالة وأنا نائم؟ هنا تصبح الـ"هيهات" مجرد تنهيدة طويلة أمام موظف الجباية.
ذلة الشاشات: أن تفتح هاتفك لتكتب منشورًا تهز فيه عروش الطغاة، ثم تضطر لإغلاقه فورًا لأن الإنترنت "بطيء" لدرجة أن المنشور لن يصل إلا بعد أن يسقط النظام ويموت الطاغية بالشيخوخة.
إن المواطن اليوم يعيش انفصامًا مجيدًا؛ في الصباح يرفض الذلة أمام القوى الاستعمارية الكبرى، وفي المساء يقف ذليلًا، مكسور الجناح، يستعطف صاحب المولد الكهربائي في الحارة كي لا يقطع عنه خط "الأمبيرات" بسبب تأخر السداد ليومين.
نحن لا نقبل الهوان، هذا مبدأ لا نقاش فيه. ولكن، حبذا لو تقوم الجهات المعنية بتعريف واضح لـ"الذلة"؛ هل غلاء الأسعار الجنوني يعتبر ذلة؟ هل العيش دون ماء صالح للشرب يعتبر ذلة؟ أم أن الذلة فقط هي الاستسلام لفساد الانقلابيين والفقر والبيروقراطية، فمقاومته تخرج عن نطاق الشعار؟
سنظل نردد "هيهات منا الذلة" بكبرياء مفرط، شريطة ألا يفاجئنا مراقب البلدية بمخالفة، أو يرفع علينا المؤجر "إيجار الشقة"، لأننا حينها سنضطر لتأجيل الهتاف إلى الشهر القادم.. بعد تأمين لقمة العيش!