رجّحت دراسة تحليلية نشرتها مجلة «ذا ناشيونال إنترست» الأميركية أن يؤدي أي تراجع أو انقطاع في الدعم الإيراني للحوثيين إلى إضعاف قدرات الجماعة العسكرية والمالية بصورة غير مسبوقة، رغم ما تتمتع به من قدرة عالية على الصمود والتكيّف.
وقالت الدراسة إن الحوثيين يعتمدون بشكل أساسي على إيران في الحصول على الأسلحة المتطورة والتدريب والدعم التنظيمي، ما يجعلهم أكثر عرضة للهشاشة في مرحلة ما بعد الحرب الإيرانية عام 2026، إذا اضطرت طهران إلى تقليص التزاماتها الإقليمية بسبب الضغوط الاقتصادية أو التسويات السياسية المحتملة.
ورأت الدراسة أن هذا التحول قد يفتح نافذة فرصة أمام الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم السعودية ومجلس القيادة الرئاسي اليمني، للحد من نفوذ الجماعة عبر استهداف شبكاتها المالية وتعزيز قدرات خصومها المحليين، مع التحذير في الوقت نفسه من أن الحوثيين يمتلكون سجلاً طويلاً في التكيّف مع الضغوط وإيجاد بدائل للحفاظ على بقائها.
وأشارت الدراسة إلى أن حركة الحوثيين، شكّلت قوةً مزعزعة للاستقرار على مدى عقود، إذ أعاقت جهود الاستقرار الإقليمي، وهددت حركة التجارة العالمية، وأسهمت في تغذية التطرّف، مستندةً في صمودها إلى جملة من العوامل الجغرافية والتنظيمية والمالية.
ولفتت إلى أن الهجوم الصاروخي الذي شنّه الحوثيون على إسرائيل في مارس 2026 يجسّد هذه القدرة على الاستمرار؛ إذ تحتفظ الجماعة بقدرات هجومية رغم تعدد الحملات الإقليمية والدولية الرامية إلى إضعافها، مستفيدةً من الطبيعة الجبلية لمعاقلها في شمال شرق اليمن، حيث توفر مرتفعات جبال السروات عمقًا استراتيجيًا وتحصينات طبيعية تحدّ من فاعلية الضربات الجوية.
وعلى الصعيد المالي، كشفت الدراسة أن الحوثيين نجحوا في بناء شبكة تمويل معقّدة تعتمد على العملات الرقمية المشفّرة للالتفاف على العقوبات المفروضة عليهم منذ أكثر من عقد، فضلاً عن مصادر دخل متعددة تشمل فرض الإتاوات على حركة الملاحة في البحر الأحمر، وجباية الضرائب من السكان المحليين، والاتجار بالأسلحة والذخائر مع جهات مسلحة غير حكومية، من بينها حركة الشباب وتنظيم القاعدة في منطقة البحر الأحمر.
غير أن الدراسة رأت أن هذا الصمود يخفي هشاشة بنيوية عميقة؛ إذ يعتمد الحوثيون على إيران في الجزء الأكبر من ذخائرهم وأسلحتهم المتطورة، فيما تبقى قدراتهم التصنيعية محلياً محدودةً للغاية، ولا تتجاوز إنتاج الطائرات المُسيّرة الصغيرة، وحتى هذا الإنتاج يظل رهينًا بالمكونات والإمدادات الإيرانية.
وأوضحت الدراسة أن مسار انحسار «محور المقاومة» سيدفع إيران نحو تقليص دعمها للحوثيين لأسباب مزدوجة؛ أولها الحاجة إلى تقديم تنازلات في مفاوضات السلام المرتقبة، وثانيها الضغوط الاقتصادية الخانقة التي أنهكت الاقتصاد الإيراني جراء عقود من العقوبات وآثار حملات القصف الأخيرة، ما سيُقلّص قدرة الحرس الثوري الإسلامي على تهريب الذخائر وقطع الغيار إلى اليمن.
وفي حال انقطاع الدعم الإيراني، رأت الدراسة أن الحوثيين سيضطرون إلى الاعتماد بصورة أكبر على العملات الرقمية المشفّرة لشراء الذخائر، ولا سيما عملة «تيثر» (USDT) المستقرة التي يُفضّلونها في معاملاتهم المالية؛ وهو ما يُشكّل في الوقت ذاته نقطة ضعف قابلة للاستهداف، إذ سبق لجهة إصدار هذه العملة الامتثال لطلبات الحكومة الأميركية المتعلقة بتعقّب الأصول الرقمية المستخدمة في الأنشطة غير المشروعة.
وتوقّعت الدراسة أن يتجه الحوثيون، مع تراجع قدراتهم التمويلية، نحو السيطرة على الحقول النفطية اليمنية بوصفها موردًا بديلاً، مشيرةً إلى أن أي مواجهة في هذه المناطق المنبسطة ستكون لصالح مجلس القيادة الرئاسي، خصوصًا إذا حظي بدعم جوي سعودي، على خلاف المعارك في المناطق الجبلية التي تمنح الحوثيين أفضلية واضحة.
وأوصت الدراسة واشنطن بانتهاج أربعة محاور لاستثمار هذه الهشاشة المتوقعة: توسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الرياض لرفع فعالية الضربات الجوية؛ والعمل مع المملكة العربية السعودية على تعزيز قدرات مجلس القيادة الرئاسي؛ وربط هذا الدعم بشروط تكفل الالتزام بالقانون الدولي الإنساني تفاديًا لأي ذرائع تُضعف الدعم الدولي للشركاء الإقليميين؛ فضلاً عن استهداف الشبكات المالية للحوثيين عبر تجميد أصولهم الرقمية والتنسيق مع شركات إصدار العملات المستقرة لمصادرتها.
واختتمت الدراسة بالتحذير من أن الفرصة المتاحة قد تكون محدودة زمنيًا، مشيرةً إلى أن الحوثيين يمتلكون تاريخًا راسخًا في التكيّف السريع مع المتغيرات، وأن التقاعس الأميركي عن استثمار المشهد الاستراتيجي الجديد قد يمنح الجماعة الوقت الكافي لإعادة هيكلة مواردها وتعزيز صمودها من جديد.