صنعاء:
بينما تقف ملايين الأسر اليمنية على حافة المجاعة الحقيقية، وتئن تحت وطأة أزمة إنسانية تصنفها الأمم المتحدة بأنها الأشد قسوة في العالم، أطلقت مليشيا الحوثي العنان لآلتها القمعية لامتصاص ما تبقى من رمق اقتصادي في مناطق سيطرتها. وتحت غطاء التحضير لـ "يوم الولاية" (عيد الغدير بمفهومها الطائفي)، شنت الجماعة حملة جبايات وحشية غير مسبوقة استهدفت التجار، الشركات، وحتى الموظفين المعدمين؛ لتمويل كلفة "القداسة السلالية" الباذخة من قوت الجوعى والمحتاجين.
إرهاب مالي منظّم: أسواق صنعاء تحت مقصلة "المشرفين"
أكدت مصادر محلية متطابقة في العاصمة المحتلة صنعاء، أن الأيام القليلة الماضية شهدت تصعيداً مرعباً في حملات التحصيل المالي القسري. وبدلاً من أن تُسخر موارد الدولة لدفع الرواتب المقطوعة منذ سنوات أو تخفيف حدة الفقر، انتشرت فرق ميدانية مسلحة في الشوارع والأسواق والمنشآت الاقتصادية لجمع "إتاوات إلزامية" تحت مسمى "مساهمات وتبرعات مجهولة".
أساليب الابتزاز والترهيب الحوثي:
• التهديد بالعقوبات الإدارية: إغلاق المحلات، وسحب التراخيص، وفرض غرامات كيدية في حال الرفض.
• المضايقات الميدانية المتكررة: تحويل حياة التجار إلى جحيم عبر زيارات يومية للمشرفين لتعطيل أعمالهم.
• التركيع اللوجستي: إجبار أصحاب المحال على طلاء واجهات محلاتهم باللون الأخضر، وتعليق الشعارات الطائفية، وتمويل قوافل الغذاء والحشود المنقولة إلى الساحات.
شهادة من قلب الخوف: يقول أحد أصحاب المحال التجارية في صنعاء (تحدث باسم مستعار خشية التنكيل): "لم يعد الرفض خياراً متاحاً. الحركة التجارية في انهيار شبه كامل والقوة الشرائية للناس منعدمة، ومع ذلك يأتي المشرفون ويفرضون مبالغ خيالية. نحن لا نربح قوت يومنا، لكننا ندفع لحماية أنفسنا من السجن أو إغلاق لقمة عيشنا".
التوظيف السياسي للخرافة: تأصيل "الحق الإلهي" في الثروة والحكم
تعتبر مناسبة "يوم الولاية" (التي توافق 18 ذي الحجة) النواة الصلبة التي ترتكز عليها الأيديولوجيا الحوثية. وتزعم الجماعة أن الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) عهد بالولاية والحكم لعلي بن أبي طالب ومن ينتسبون إلى ذريته من بعده.
هذا التفسير الطائفي لا يقف عند حدود الطقوس الدينية، بل يتم توظيفه سياسياً واقتصادياً لشرعنة:
1. الاستحقاق السياسي المطلق: فرض شرعية زعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، في حكم اليمنيين استناداً إلى "اصطفاء سلالي" مزعوم.
2. الاستباحة الاقتصادية: تحويل الجبايات إلى واجب ديني يقدمه المواطن لـ "سيده"، وتشريع نهب المال العام والخاص تحت مسميات "الخُمس" ودعم المناسبات العقائدية.
بالتزامن مع النهب.. "الأمن الغذائي" يدخل مرحلة الطوارئ الرابعة
في التوقيت ذاته الذي تُنفق فيه المليشيا مليارات الريالات على المهرجانات الخطابية، والملصقات، والمنشورات الطائفية، كشفت تقارير دولية حديثة عن سيناريوهات مرعبة تنتظر السكان في مناطق سيطرة الجماعة.
وفقاً لـ شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة، فإن الأوضاع الإنسانية تتجه نحو الأسوأ خلال الأشهر المقبلة، وسجلت المؤشرات ما يلي:
وأرجعت الشبكة الدولية هذا التدهور الكارثي مباشرة إلى تدمير بيئة الأعمال، وتجريف القطاع الخاص، وفرض القيود الصارمة على حركة التجارة والاستثمار، وتراجع القوة الشرائية للأسر، مما أجبر الملايين على تبني "آليات تكيف قاسية" (تقليص الوجبات أو إسقاط بعضها) للبقاء على قيد الحياة.
تحذيرات اقتصادية: رصاصة الرحمة على ما تبقى من اقتصاد
لم تقتصر الأضرار على تجويع المواطنين، بل يرى خبراء اقتصاديون أن هذه السياسة الابتزازية المتكررة بمثابة "رصاصة الرحمة" على القطاع الخاص اليمني. إذ يؤدي استنزاف السيولة النقدية من الأسواق لتمويل الفعاليات الطائفية إلى:
• تطفيش رأس المال الوطني: هروب المستثمرين والتجار إلى خارج البلاد أو تصفية أعمالهم هرباً من الخسائر الكارثية.
• ارتفاع جنوني في الأسعار: يضطر التاجر "المُبتز" إلى رفع أسعار السلع الأساسية لتعويض المبالغ التي نهبتها المليشيا، وهو ما يتحمله المواطن البسيط في نهاية المطاف.
• إغلاق منشآت الأعمال: تسريح آلاف العمال والموظفين، مما يرفع منسوب البطالة والفقر إلى مستويات غير مسبوقة.
خلاصة: تحولت المناسبات الحوثية من طقوس عقائدية إلى "مواسم تجارية مقنّعة" ومقصلة اقتصادية تلتهم أقوات المغبونين. وفي بلد يتضور أطفاله جوعاً، تبدو مفارقة "تمويل الوهم والقداسة السلالية" من بطون الجوعى الشاهد الأبرز على أسوأ حقبة نهب وإفقار منظم يواجهها الشعب اليمني في تاريخه الحديث.