بدايةً من حق أتباع كل طائفة أو جماعة أو مذهب بناء معتقداتهم الدينية والفكرية والفلسفية بالشكل الذي يرونه مناسبا فذلك يندرج ضمن حرية الاعتقاد والتدين ، وفي نفس الوقت ليس من حقهم فرض تلك المعتقدات والافكار على الآخرين بالقوة والاكراه ، معادلة شرعية وفكرية وحقوقية وسياسية وأخلاقية واضحة وضوح الشمس ، وعلى الجميع احترامها لتحقيق التعايش السلمي بين جميع الفرقاء ، وكل انسان مسئول عن تصرفاته وأعماله والجزاء والحساب بيد الله تعالى وحده ، وفي كل الأحوال تظل كل المرويات والأفكار البشرية نسبية في صحتها ، ويظل الوحي الإلهي هو وحده من يمتلك الحقيقة المطلقة ، ويوم الغدير يندرج ضمن المرويات وكل ما يدور حوله هي أجتهادات وأفكار بشرية سواء مع أو ضد ، والمؤسف أن الجدل حول هذا الموضوع قد جعل المسلمين ينقسمون إلى قسمين متضادين ومتنافرين بل ومتصارعين ، والسبب في ذلك هو دخول العامل السياسي في الموضوع ،
بل إن يوم الغدير حسب المرويات هو يوم سياسي وسلطوي بامتياز من وجهة نظر المعتقدين به ، فقسم من المسلمين وهم فقهاء وأتباع المذهب الشيعي ، قرأوا ويقرأون الرواية المنقولة والمتواترة عن الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا اليوم خلال عودته من أداء فريضة الحج قراءة سياسية وسلطوية وعقائدية ، وهو ما يعرف بالتوظيف السياسي للحدث ، حيث ربطوا العقيدة الدينية بالسياسة والسلطة ، وقد ترتب على ذلك ظهور واحدة من النظريات السياسية في الفكر الاسلامي وهي نظرية الولاية الشيعية ، والتي تجعل تولي أمر المسلمين حق حصري لسلالة معينة دون غيرهم ، وربطوا صلاح وفلاح ونجاح الأمة بالامتثال لذلك والتسليم له ، بل لقد بالغ البعض منهم حيث ذهبوا إلى أن قبول الايمان والاعمال لا يتم إلا عبر الولاء والطاعة لهذه السلالة ( آل بيت الرسول عليه الصلاة والسلام من ذرية الامام علي بن ابي طالب وفاطمة الزهراء رضوان الله عليهم ) ، وأصحاب هذه النظرية هم أول من ربطوا العقيدة الاسلامية بالسياسة والسلطة عبر التوريث ..!!
وكان للقسم الآخر من المسلمين وهم فقهاء واتباع المذهب السني قراءة أخرى لرواية يوم الغدير ، يمكن توصيفها بأنها قراءة شرعية وأخلاقية واجتماعية ، فقد قرأوا الموالاة للامام علي رضي الله عنه التي دعا إليها الرسول عليه الصلاة والسلام في يوم الغدير على أنها أمر بالحب والتقدير والقدوة الحسنة ونهي عن العداوة والكراهية والبغض ، وذلك نظراً لقرابة الامام علي من الرسول عليه الصلاة والسلام ، فهو ابن عمه وزوج ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها ، بالاضافة لدوره الكبير في نصرة الاسلام والدفاع عنه في أصعب المواقف ، ويقولون بأن تلك الرواية في حال صحتها موجهة للامام علي شخصيا وحصريا دون غيره ، فصيغة الرواية صيغة فردية وليست صيغة جماعية ، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال ( اللهم وال من والاه ) ولم يقل اللهم وال من والاه ووالى ذريته من بعده ، وهم بتلك القراءة لا يعتقدون بنظرية الولاية وحصرها في فئة أو سلالة معينة ، فمن حق كل مسلم يمتلك مواصفات القيادة تولى أمر المسلمين ، سواء عن طريق الشورى كما حدث خلال فترة الخلافة الراشدة ، أو عن طريق القوة والغلبة كما حدث خلال فترة الخلافة الأموية ، أو عن طريق الانتخابات المباشرة من الشعب ، وهم بذلك يسعون إلى نزع هالات القداسة عن الحاكم ، وطاعة الحاكم عند فقهاء المذهب السني مقترنه بطاعته لله تعالى والتزامه بالشرع الاسلامي ، وليس لديهم أي مانع شرعي من مساءلته وعزله في حال اخلاله بواجبات القيادة ، في محاولة منهم للتهوين والتقليل من شأن نظرية الولاية التي تضفي هالات من القداسة حول شخص الحاكم ..!!
وبذلك فإن فقهاء وأتباع المذهب الشيعي قد وظفوا رواية يوم الغدير توظيف سياسي وسلطوي بامتياز ، وجعلوا منها أساس ومنطلق شرعي وعقائدي لنظرية الولاية ، بعكس الحال عند فقهاء وأتباع المذهب السني ، وهو ما فتح باباً واسعاً للجدال والخلاف بين الفريقين ، دون التوصل لحل وسط في ظل وجود أطراف متشددة ومتعصبة داخل كل فريق ، والمؤسف في الموضوع أن بعض المتطرفين من الشيعة قد تمادوا في التوظيف السياسي ليوم الغدير بشكل مبالغ فيه ، حيث وصل الحال بالبعض منهم حد تكفير كل من يخالف منهجهم العقائدي والفكري ، فهم لا يترددون بالقول الضمني أو الصريح بتكفير كل من يعارض نظرية الولاية ، وذلك يؤدي إلى رد فعل معاكس من بعض المتشددين والمتعصبين من الطرف الآخر ، قد يدفع بالبعض منهم لمعاداة كل ما له علاقة بآل البيت ، بل قد يندفع بعضهم للإساءة المباشرة للامام علي وآل بيته رضوان الله عليهم ، في مشهد يعكس حالة الشذوذ والانحراف والفجور التي يصل إليها المتطرف والمتعصب ، سواء كان مع أو ضد ، فليس من الحكمة والعقل اسقاط تصرفات وأخطاء بعض المتعصبين والمتشددين لنظرية الولاية على الإمام علي وآل بيته رضوان الله عليهم ، وليس من المقبول تحميلهم مسئولية افعال وسياسات غيرهم ..!!
ويستغرب البعض من مظاهر الاحتفال المبالغ فيه للمؤيدين والمعتقدين بنظرية الولاية في يوم الغدير ، رغم ان الامر ليس فيه غرابة ، فهذه النظرية هي من تمنحهم الحق الشرعي في السلطة حسب اعتقادهم ، وهي من تجعلهم مميزين دون غيرهم ، وهي من سخرت الدين الاسلامي في خدمة هذه الفكرة ، وهي من اختزلت الحكم والسلطة في فئة واحدة دون غيرها ، بل إنه بالنسبة لهم عيد الأعياد وفرحة الافراح ، ولا يستطيع أحد أن ينكر الجهد الكبير والمتواصل عبر الزمن لفقهاء واتباع المذهب الشيعي في ترسيخ هذه الفكرة في عقول أجيالهم ، والسعي الحثيث والمتواصل لنشرها على أوسع نطاق ، واستغلالهم المثالي لكل شيء في متناول أيديهم في سبيل تحقيق ذلك بدون كلل أو ملل ، بل إنهم لم يترددوا في توظيف حتى التشريعات والاحكام الاسلامية من خلال تفسيرها وتحويرها ولي أعناقها في خدمة مشروعهم السياسي والسلطوي ، وقد نجحوا في ذلك خلال مراحل تاريخية مختلفة ممتدة عبر التاريخ السياسي الاسلامي رغم أن الشيعة أقلية في المجتمع الاسلامي ذات الاغلبية السنية ، وهو ما يظهر الدور الكبير للمثابرة والاصرار في الوصول إلى المراد ، وعلى المعارضين لهذه النظرية أخذ العظة والعبرة من هذه الأقلية ، والاستفادة من مناهجهم الفكرية في بناء الروابط السياسية والاجتماعية بين الافراد والقيادات ، وفي طريقة التنظيم والتواصل والتعبئة الفكرية ، ان الباحث في شئون المجتمع الاسلامي الشيعي سوف يلاحظ على الفور حالة من الترابط الوثيق بين افراد هذا المجتمع حتى وان اختلفت المشارب واللغات والبلدان ، ويبدو ان لنظرية الولاية التأثير الكبير في احداث كل ذلك في المجتمع الشيعي ، وهو ما يجعل يوم الغدير اليوم الذي منح نظرية الولاية شرعيتها حسب وجهة النظر الشيعية ، ويمكننا القول بأن فقهاء وقيادات الشيعة عبر التاريخ قد نجحوا في بناء نظام ديني وايديولوجي وسياسي فريد من نوعه ، فربط العقيدة بالسياسة وجعل الولاء للحاكم من الولاء لله تعالى قد مكنهم من اخضاع المجتمعات الاسلامية الواقعة تحت سلطتهم لمشيئة السلطة ، كما أنه يقضي على أي محاولات للتمرد والفوضى والمعارضة ، وهو ما يسمى باخضاع المجتمع للسلطة عن طريق الدين ، وهذه الفكرة كانت سائدة في أوربا خلال القرون الوسطى فيما كان يعرف بالعصر الكهنوتي ..!!
وبعيدا عن شرعية نظرية الولاية أو عدم شرعيتها وصحة الرواية القائمة عليها من عدمه ، يظل التوظيف السياسي والسلطوي للدين وللعقيدة وللمتغيرات والاحداث هي الصفة المميزة لفقهاء واعلامي وقيادات التيار الشيعي عبر التاريخ ، بل إنهم لم يبرعوا خلال تاريخهم الطويل في شيء مثلما برعوا في توظيف وتسخير كل ما في الوجود لمصلحة نظرية الولاية ، ولا يستبعد أن يأتي منهم في قادم الايام من يقول بأن الكون قد خلق من أجل الولاية ، فالولاية هي محور الكون والحياة والوجود بالنسبة لهم ، ورغم كل ذلك لدى الطرف الآخر المعارض انتقادات كثيرة لنظرية الولاية ، منها على سبيل المثال مخالفتها لمبدأ الشورى الاسلامية المنصوص عليها صراحة في القرآن الكريم قال تعالى (( وأمرهم شورى بينهم )) ، ومخالفتها لمبدأ المساواة بين المسلمين ، وقيامها على فكرة التمييز العنصري والسلالي بين البشر والتي تتعارض مع النص القرآني ، قال تعالى (( يا ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة )) ، وصناعتها هالات من القداسة والتعظيم حول شخص الحاكم وهو ما يتعارض مع الطبيعة الفسيولوجية والنفسية للانسان ، بل لقد ذهب بعض المعارضين.لها إلى ادراجها ضمن دائرة الأنظمة الكهنوتية والاستبدادية والوراثية ، ويقولون بأن هذه النظرية ترفض اختيار الحاكم عبر الانتخابات الشعبية فهو ليس بحاجة لموافقة الشعب فهو مختار من الله تعالى وما على الشعب إلا السمع والطاعة والامتثال للاختيار الالهي ، ومن أهم الانتقادات الموجهة لهذه النظرية شرعنتها للتقسيم الطبقي داخل المجتمع المسلم نتيجة التمييز العنصري والسلالي الذي يقسم المجتمع إلى سادة وعبيد ، وفي ذلك الإجراء انتكاسة للاسلام كدين إلهي جاء لتحرير البشر من العبودية وتحقيق المساواة فيما بينهم وجعل التقوى لله تعالى هو المقياس الوحيد للتفضيل قال تعالى (( إن أكرمكم عند الله أتقاكم )) ، بل لقد ذهب البعض إلى أن ذلك الإجراء هو عودة بالمجتمع إلى العصر الجاهلي ، وفي الختام وبكل صراحة ما يدهشني حول هذه النظرية هو قدرتها على صناعة الولاء العقدي والنفسي والمذهبي داخل نفوس اتباع المذهب الشيعي وغيرهم وصولاً لحد التضحية والموت في سبيلها ، والطاعة العمياء للحاكم وتنفيذ قراراته وتوجيهاته دون اعتراض ، وهو ما يجعلنا نواجه سؤال منهجي وموضوعي حول هذا الموضوع ، هل السبب في كل ذلك هي القدرة على غرس الدوافع الدينية أو المذهبية أو الانتماء العنصري والسلالي ، أو القدرة على ربط قوى المجتمع المختلفة بالمصالح والمنافع والمصير المشترك ، أم القدرة على الاستخدام المفرط للقوة لفرض هذه النظرية ، وفي كل الاحوال يمكننا القول بأن نظرية الولاية قد تمكنت من دمج الدين والمذهب والعرق والقوة والمصلحة في قالب سياسي واحد ، وهو ما يعطيها القدرة على الاستمرارية ..!!