متابعات خاصة: أطلقت ثلاث من كبريات الوكالات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة ناقوس الخطر الأخير إزاء تسارع وتيرة الانهيار الإنساني في اليمن، محذرة من قفزات "مرعبة" في رقعة الجوع الحاد تنذر بانزلاق البلاد إلى مجاعة شاملة لا يمكن السيطرة عليها. ودعت الوكالات المانحين الدوليين إلى استنفار عاجل وغير مشروط لضخ تمويلات إنسانية منقذة للحياة، تستهدف الفئات الأشد هشاشة، وفي مقدمتها النساء، الأطفال، والنازحون.
البيان المشترك الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF)، أكد أن نتائج "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)" تمثل "إنذاراً أحمر أخيراً للمجتمع الدولي". وأشار البيان إلى أن ملايين اليمنيين باتوا يعيشون تحت مقصلة ضغوط معيشية مركبة، تغذيها آلة الحرب المستمرة، والانهيار المالي الشامل، والتغيرات المناخية العنيفة، بالتزامن مع جفاف حاد في التمويل الإغاثي الدولي.
شرخ في شريان الحياة: بالأرقام.. شلل يضرب موانئ الجنوب
وفي سياق متصل، فجّر تقرير حديث صادر عن برنامج الأغذية العالمي مفاجأة صادمة تتعلق بالأمن القومي واللوجستي للبلاد؛ حيث كشف عن تراجع حاد ومخيف في واردات الغذاء والوقود المتدفقة إلى الموانئ الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً (جنوب البلاد) خلال الثلث الأول من العام الجاري (2026)، بـانخفاض تجاوز 28% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.
ووفقاً للغة الأرقام الصارمة التي أوردها التقرير، تلخص الجدول الاستيرادي كالتالي:
جفاف الوقود: أسوأ موجة شح منذ 3 سنوات يغذيها النزاع الإقليمي
الصدمة الأكبر التي وثقها التقرير الأممي تمثلت في قطاع الطاقة والوقود، حيث هبطت الواردات النفطية إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
واستقبلت الموانئ الحكومية (عدن والمكلا) خلال الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام 113 ألف طن متري فقط من الوقود، مسجلة انهياراً بنسبة 45% مقارنة بعام 2025 (الذي سجل 246 ألف طن)، وبانخفاض قياسي بلغ 53% مقارنة بعام 2024 (الذي سجل 288 ألف طن).
الارتباط الجيوسياسي للأزمة: حذر التقرير من أن هذا الاختناق في تدفق الطاقة، المدفوع بتداعيات النزاع الإقليمي المحتدم واضطراب الملاحة وارتفاع أسعار النفط عالمياً، دفع بأسعار الوقود المحتجز في مناطق نفوذ الحكومة إلى القفز لأعلى مستوى لها منذ سبعة أشهر. هذا الارتفاع الجنوني انعكس كأثر أحجار الدومينو على كلفة النقل الداخلي، وأسعار السلع الغذائية الأساسية، مما شل الحركة الاقتصادية تماماً.
الإمدادات الغذائية: تحسن نسبي لا يقي من الكارثة
وعلى جبهة المواد الغذائية، كشف التقرير أن الموانئ الحكومية استقبلت نحو 558 ألف طن متري خلال الثلث الأول من العام الحالي، وهو ما يمثل انخفاضاً بنسبة 22% مقارنة بالفترة المماثلة من عام 2025 التي بلغت (711 ألف طن)، ورغم أن هذا الرقم يظهر صعوداً بنسبة 52% مقارنة بمستويات عام 2024 المتدنية (367 ألف طن)، إلا أنه يظل عاجزاً عن تغطية الفجوة الغذائية الآخذة في الاتساع مع التضخم وانهيار العملة المحلية.
خلاصة تحذيرية: الدوامة التي تخنق الأسواق
اختتم برنامج الأغذية العالمي تقريره بتأكيد أن "شح الوقود" بات يمثل حبل المشنقة الذي يضغط على رقبة الأسواق المحلية؛ حيث يؤدي نقص الطاقة وارتفاع أسعارها إلى مضاعفة تكاليف إنتاج ونقل الغذاء بشكل مباشر. هذا التداخل الكارثي بين غلاء الوقود وشح الغذاء يخلق دوامة تضخمية مغلقة تصيب القدرة الشرائية للمواطن اليمني في مقتل، وتحرم الاقتصاد المحلي من أي فرصة لالتقاط الأنفاس أو التعافي.