أخبار محلية

الجبواني: الشرعية اليمنية تتجه نحو التفريغ التدريجي من مضمونها السيادي

عدن الغد- محليات 06/06/2026 23:30 299 مشاهدة
الجبواني: الشرعية اليمنية تتجه نحو التفريغ التدريجي من مضمونها السيادي

حذر وزير النقل السابق صالح الجبواني من أن الشرعية اليمنية تواجه مساراً متسارعاً نحو فقدان مضمونها السيادي، مؤكداً أن ما كان يُنظر إليه قبل عشر سنوات باعتباره مرجعية سياسية وقانونية واضحة لم يعد اليوم حقيقة مستقرة، بل أصبح موضع تساؤل ومراجعة وإعادة تعريف في ظل التحولات التي شهدتها البلاد منذ اندلاع الحرب.

وقال الجبواني، في مقال بعنوان "الشرعية بين الاستمرار أو السقوط"، إن السؤال الجوهري اليوم يتمثل في ما إذا كانت الشرعية ما تزال سلطة سيادية مكتملة، أم أنها تحولت إلى حكومة منفى، أم أنها أصبحت صيغة ثالثة هجينة قائمة على الاعتراف الخارجي والحضور الداخلي المجتزأ وغير المكتمل سيادياً. ورأى أن الواقع الحالي يشير إلى أن الشرعية باتت أقرب إلى هذه الصيغة الثالثة، إذ لم تعد سلطة قادرة على إنتاج القرار من داخلها أو ممارسة وظائف الدولة بصورة كاملة، كما أنها ليست حكومة منفى بالمعنى التقليدي لأنها لم تنقطع بشكل كامل عن الداخل اليمني.

وأوضح أن هذه الحالة الهجينة نتجت عن مسار تراكمي فرضه الصراع أكثر مما فرضته النصوص الدستورية، حيث تستمد الشرعية استمرارها من الاعتراف الخارجي، في مقابل واقع داخلي تتقاسمه سلطات متعددة وسلطات أمر واقع تتوسع مع مرور الزمن. وأضاف أن الإشكالية الأعمق تكمن في تحول هذا الوضع الاستثنائي إلى بنية مستقرة، بحيث تتآكل الفوارق بين الاستثناء والقاعدة، ويصبح البقاء في حد ذاته معياراً للشرعية بدلاً من الفعل السياسي الذي يمنحها معناها الحقيقي.

وأشار الجبواني إلى أن مفهوم الشرعية بوصفها مركزاً سيادياً جامعاً يتراجع تدريجياً أمام تعدد مراكز الفعل على الأرض، حيث تنشأ سلطات مختلفة تمارس الحكم فعلياً وتستمد مشروعيتها من السيطرة والنفوذ لا من المرجعية الدستورية. واعتبر أن الشرعية تحولت من مصدر للسلطة إلى مجرد غطاء لها، ومن أصل للحكم إلى إطار يجاور مراكز القوى الأخرى دون أن يهيمن عليها، الأمر الذي انعكس على الدولة ووحدتها ووظيفتها السيادية.

وأكد أن الأسئلة التي كانت تدور حول من يمثل الشرعية تحولت اليوم إلى تساؤلات أكثر عمقاً حول المكان الذي تتمثل فيه الشرعية فعلياً، وهل تكمن في النصوص الدستورية أم في الواقع الميداني، وفي الاعتراف الدولي أم في السيطرة على الأرض، وفي المركز أم في الأطراف. وأضاف أن هذا التحول أدى إلى تفكك مفهوم الشرعية من الداخل وفقدانها القدرة على تعريف نفسها قبل فقدانها القدرة على ممارسة السلطة.

وبيّن أن المستقبل لا يبدو امتداداً بسيطاً للوضع الراهن، بل يتجه نحو إعادة تشكيل مراكز القوة الفعلية على الأرض بالتوازي مع تآكل مركز الشرعية كمرجعية جامعة، لافتاً إلى أن ضعف قدرة الشرعية على إنتاج قرار موحد ونافذ، واعتمادها المتزايد على الخارج لضمان بقائها، أسهما في صعود سلطات الأمر الواقع التي باتت تكتسب شرعيتها من السيطرة الميدانية أكثر من التفويض السياسي أو القانوني.

وأضاف أن الخارج لم يعد مجرد داعم للشرعية، بل أصبح جزءاً من تعريفها واستمرارها ومصدر قرارها، ما جعلها أقرب إلى إطار رمزي من كونها سلطة فعلية. وحذر من أن استمرار هذا المسار دون إعادة إنتاج حقيقية لمعنى الشرعية ووظيفتها سيؤدي إلى بقائها شكلياً في الخطاب والاعتراف الدولي، مقابل فقدانها القدرة على احتكار القرار أو توجيه الواقع السياسي.

ورأى الجبواني أن عملية التفريغ الفعلي للشرعية بدأت مع ما وصفه بالانقلاب على الدولة لصالح المليشيا في أغسطس 2019، حين أُعيدت صياغة موازين القوى على الأرض خارج الإطار المفترض للشرعية، معتبراً أن ذلك الحدث لم يكن تطوراً سياسياً عابراً، بل محطة تأسيسية لمسار جديد أعاد تشكيل العلاقة بين الشرعية وسلطات الأمر الواقع، وقاد تدريجياً إلى تحويل الشرعية إلى هيكل قائم في المبنى وفارغ في المعنى.

وأوضح أن التطورات التي تلت ذلك التاريخ لم تكن سوى امتداد لهذا التحول، إذ جرى تثبيت وقائع سياسية وعسكرية متتابعة جعلت من الاستثناء قاعدة ومن إعادة الترتيب واقعاً دائماً، حتى أصبح التباعد بين الشرعية ومجالها السيادي جزءاً من البنية السياسية القائمة لا مجرد حالة طارئة.

وأشار إلى أن المحصلة النهائية لهذا المسار تتمثل في تشكل مراكز قوة متعددة على الأرض، تمتد من المخا إلى عدن ثم حضرموت والمهرة ومأرب وتعز، بما يعكس إعادة توزيع للنفوذ داخل الإطار الرمزي الجامع للشرعية، لا باعتباره إطاراً موحداً للسلطة، بل وعاءً يتسع لتعدد مراكز القوة دون أن يدمجها في سلطة سيادية واحدة.

وفي المقابل، اعتبر أن جماعة الحوثي تمثل مركز قوة مستقراً بذاته وموازياً لهذا التعدد، وتشترك معه ـ وإن اختلفت الأدوات ـ في تقويض الشرعية وتفريغها من مضمونها السيادي، موضحاً أن الحوثيين انقلبوا على الشرعية من خارجها، بينما جرى تفكيكها من داخلها في المناطق المحسوبة عليها. وقال إن النتيجة هي مشهد سياسي غير متجانس تتراجع فيه الشرعية إلى موقع "الظل الرمزي" الذي يمنح غطاءً شكلياً للتعدد القائم دون أن يمتلك القدرة على تحويله إلى وحدة سياسية أو سيادية حقيقية.

وأكد الجبواني أن ما يجري اليوم ليس سوى تشخيص لواقع سياسي قائم، محملاً النخبة السياسية مسؤولية الوصول إلى هذه المرحلة، ومعتبراً أنها استُهلكت في مسار سياسي خاطئ أفقدها القدرة على المبادرة والفعل، واختارت ممارسة السلطة بالوكالة بدلاً من تحمل مسؤولياتها بصورة مباشرة.

وأشار إلى أن هذا النموذج لا يقتصر على اليمن، بل يمكن ملاحظة نتائجه في تجارب دول أخرى مثل الصومال وليبيا والسودان وأفغانستان.

وفي ختام مقاله، حمّل الجبواني المسؤولية السياسية والتاريخية والأخلاقية للبنية السياسية القائمة، وفي مقدمتها مجلس القيادة الرئاسي بأعضائه الثمانية، باعتباره الإطار التنفيذي الأعلى المعترف به دولياً، محذراً من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى مآلات تمس الكيان القانوني للجمهورية اليمنية، وإلى مرحلة يصبح فيها الاعتراف الدولي أقرب إلى التماهي مع سلطات الأمر الواقع التي فرضت نفسها بمرور الزمن.

غرفة الأخبار/ عدن الغد