آخر الأخبار
أخبار محلية

القعقاع سقط في البركان... لكن من أسقطه أولاً؟

نافذة اليمن 12/06/2026 21:28 316 مشاهدة
القعقاع سقط في البركان... لكن من أسقطه أولاً؟

لم يمت الشاب اليمني الملقب بـ"القعقاع" يوم سقط في فوهة البركان، بل ربما بدأت رحلته مع السقوط منذ سنوات طويلة، حين سقطت الدولة، وسقط الاقتصاد، وسقطت فرص العمل، وسقطت الأحلام الصغيرة التي تجعل الإنسان يبحث عن الحياة بدلاً من تحدي الموت.

رحل القعقاع وهو يفعل ما اعتاد عليه مراراً: النزول إلى قاع فوهة بركانية مرعبة، حيث المياه الكبريتية الحارة والصخور الحادة والموت المتربص في كل خطوة. وبينما انشغل كثيرون بعد الحادثة بالسؤال الفقهي: هل ألقى بنفسه إلى التهلكة أم لا؟ غاب السؤال الأهم: لماذا وصل شاب يمني إلى مرحلة يجعل فيها النزول إلى قاع بركان مصدراً للدخل؟

في الدول الطبيعية يتسابق الشباب إلى الجامعات والمختبرات والشركات والمصانع. أما في اليمن، فقد أصبح بعض الشباب يتسابقون إلى حواف البراكين والجبال والبحار والمخاطر، لأن الوظائف اختفت، والاستثمار هرب، والدولة تحولت إلى ذكرى، والاقتصاد إلى مريض على أجهزة الإنعاش منذ سنوات.

القعقاع لم يكن ينزل إلى البركان ليكتشف علاجاً للسرطان، ولا ليقود بعثة علمية، ولا لينقذ عالقين. كان ينزل ليكتب أسماء الزوار وذكرياتهم مقابل مبالغ بسيطة. تخيل حجم المأساة حين يصبح الإنسان مستعداً لمواجهة الموت من أجل ما لا يكفي ثمن وجبة طعام لعائلة صغيرة.

الأكثر غرابة أن المجتمع نفسه الذي صفق له بالأمس بوصفه شجاعاً ومغامراً، عاد اليوم ليحاكمه بعد وفاته بتهمة التهور. وكأننا شعب يعشق صناعة الأبطال أثناء حياتهم، ثم يتحول إلى قاضٍ بعد موتهم.

سياسياً، تكشف الحادثة حجم الفجوة بين السلطة والمجتمع. فبينما تتبادل النخب البيانات والخطب والمؤتمرات واللقاءات في الفنادق المكيفة، كان شاب يمني يهبط إلى قاع بركان ليحصل على ما يعادل قيمة فنجان قهوة في بعض عواصم العالم. هناك من يناقش "إعادة بناء الدولة"، وهنا من يحاول إعادة بناء يومه فقط.

اقتصادياً، القعقاع ليس حالة فردية. إنه صورة مصغرة لاقتصاد كامل يقوم على المخاطرة واليأس. صياد يواجه البحر بقارب متهالك، وسائق يسلك طرقاً مدمرة، وعامل يصعد مباني بلا وسائل سلامة، وشاب يهبط إلى بركان. الجميع يعمل في منطقة فاصلة بين الرزق والهلاك.

اجتماعياً، نحن أمام ثقافة بدأت تمجد المخاطرة لأنها لم تعد تجد بديلاً. حين تغيب الفرص الحقيقية، تتحول المغامرة إلى مهنة، ويصبح الخطر وسيلة كسب، ويصبح النجاة اليومية إنجازاً وطنياً يستحق الاحتفال.

أما أمنياً، فالسؤال المحرج هو: أين إجراءات السلامة؟ أين الرقابة؟ أين الجهات المعنية بالمواقع السياحية الخطرة؟ أم أن الدولة التي عجزت عن حماية المواطن في حياته، ستكتفي بكتابة بيان تعزية بعد وفاته؟

المفارقة الساخرة أن البركان نفسه ظل خامداً آلاف السنين ولم يقتل أحداً، لكن الظروف التي يعيشها اليمنيون جعلت شاباً يهبط إليه عشرات المرات حتى انتهت القصة بمأساة. البركان كان أقل خطراً من الواقع الذي دفعه إليه.

رحم الله القعقاع. لكن تحويل قصته إلى مجرد درس وعظي عن التهور هو تبسيط مخل للحقيقة. فالحقيقة المؤلمة أن الشاب لم يكن يتحدى البركان وحده، بل كان يتحدى الفقر والبطالة والإهمال وغياب الدولة وانسداد الأفق.

سقط القعقاع في فوهة البركان، نعم.

لكن قبل ذلك بسنوات طويلة، سقطت أشياء أكبر بكثير.