تقرير خاص : في فضيحة مدوية تعري زيف الشعارات التي ترفعها جماعة الحوثي حول "محاربة الفساد"، تكشفت تفاصيل صادمة عن عملية قضم ممنهجة تعرضت لها هيئة مستشفى ذمار العام، إثر تحويلها من قِبل القيادي الحوثي البارز محمد البخيتي—منتحل صفة محافظ ذمار—إلى ما يشبه "الشركة العائلية الخاصة"، عبر إحكام السيطرة على مفاصل الإيرادات الدوائية والمالية وتوطين الأقارب في المواقع الحساسة.
الخيوط الاستقصائية للملف أشارت إلى أن البخيتي عمد إلى "أدلجة وعولمة" الوظيفة العامة داخل الصرح الطبي الأكبر في المحافظة؛ حيث أصدر قراراً بتمكين شقيقه، المدعو "الحسن ناصر مفتاح"، من منصب نائب رئيس الهيئة للشؤون المالية والإدارية، مانحاً إياه صلاحيات مطلقة وميزانية مفتوحة لإدارة المشتريات والتحصيل وملف الدواء، متجاوزاً بذلك كل اللوائح القانونية ومعايير الكفاءة الإدارية الشفافة.
تضارب المصالح.. صيدليات للنهب والابتزاز
هذا التغول الأسري فجّر صراعاً داخلياً حتى بين أجنحة الجماعة نفسها؛ حيث شن الناشط والإعلامي الحوثي إسماعيل الجرموزي هجوماً لاذعاً وغير مسبوق على المحافظ البخيتي، كاشفاً بالأسماء والوقائع كيف تحول المستشفى إلى "إقطاعية خاصة لآل البخيتي".
وأوضح الجرموزي في كشفه أن شقيق المحافظ فرض بالقوة والترهيب إنشاء صيدلية استثمارية جديدة تابعة له مباشرة داخل حرم المستشفى، على الرغم من وجود ثلاث صيدليات قائمة بالفعل، منها صيدليتان رسميتان ترفدان خزينة المستشفى بإيرادات شهرية ثابتة تفوق مليوناً ومائتي ألف ريال، جرى تجريفها لصالح الحسابات الشخصية للعائلة.
وفي تطور يعكس توحش هذه الشبكة النفعية، أكدت المصادر أن عائلة البخيتي وضعت يدها بالقوة العسكرية على الصيدلية المخصصة مجاناً لـ "جرحى الحرب"، وقامت بمصادرة مخزونها الدوائي من المضادات والمستلزمات الحيوية، وتحويله إلى الصيدلية التجارية الخاصة بها لبيع تلك الأدوية المجانية للمواطنين بأسعار باهظة، في تضارب مصالح فاضح يجمع فيه شقيق المحافظ بين كونه مديراً للمشتريات العامة في المشفى ومستثمراً خاصاً يبيع الدواء للمرضى المحتاجين.
جبايات يومية.. وتجويع الكوادر الطبية
وبالتوازي مع الاستيلاء على قطاع الدواء، كشف التقرير عن إدارة "الأخطبوط العائلي" لآلية جباية مالية صارمة ومعقدة داخل المستشفى؛ إذ يتم إلزام المواطنين برسوم وفحوصات باهظة الثمن تُحصّل نقداً وعلى مدار الساعة دون أن يظهر لها أثر في تحسين البيئة الطبية للمستشفى، أو توفير سرير إسعاف ناهيك عن النقص الحاد في الأوكسجين والمحاليل الأساسية.
وفي المقابل، يعيش الأطباء والممرضون والكوادر الإدارية في المستشفى وضعاً مأساوياً؛ حيث يُحرمون بانتظام من مستحقاتهم المالية الزهيدة ومكافآت النوبات الطويلة، تحت مبرر "العجز المالي"، بينما تتدفق مئات الملايين شهرياً إلى خزائن النخبة السلالية الحاكمة للمرفق.
غياب المساءلة يحول المؤسسات إلى غنائم
ووصف مراقبون وحقوقيون هذه الممارسات بأنها نموذج صارخ لـ "خصخصة مؤسسات الدولة" وتحويلها إلى غنائم حرب تتقاسمها القيادات الحوثية، مستغلةً غياب أدوات الرقابة والقضاء المستقل، وتحويل مكاتب التفتيش إلى غطاء قانوني يمنح إجراءات النهب صبغة شرعية مزيفة.
وتأتي هذه الفضيحة لتعكس المشهد القاتم العام للقطاع الصحي في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، والذي يلفظ أنفاسه الأخيرة جراء تجفيف الموارد، وتحول المشافي الحكومية من ملاذات مجانية للفقراء والمعدمين إلى مسالخ مالية تبتز أوجاع الناس لتغذية ثروات القيادات المشرفين، مما يضع حياة الملايين في ذمار والمحافظات المجاورة على حافة كارثة وبائية وطبية وشيكة.