تحت ظلال التغيرات المناخية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وفي ظل التحذيرات المتتالية لخبراء الطقس والجيولوجيا، يبرز اسم وادي الحسوة ليس كمحمية طبيعية أو شريان حياة، بل كقنبلة موقوتة تهدد بكارثة إنسانية وبيئية غير مسبوقة.
إنها صرخة نطلقها اليوم قبل أن يجرف السيل الأخضر واليابس، وقبل أن نتباكى على أطلال الأرواح والممتلكات حين لا ينفع الندم.
جغرافيا الخطر.. عندما يتساوى المجرى بالحافة
المتأمل لواقع وادي الحسوة اليوم يصاب بالذهول؛ فالمجرى الطبيعي الذي جعله الله ممرًا آمنًا لتدفق السيول وفائض الأمطار، تحول بفعل فاعل إلى مساحة مسطحة شديدة الخطورة.
لقد تضافرت العشوائية مع غياب الرقابة والوعي، لتشهد المنطقة ظاهرتين كارثيتين:
أولاً: الزحف العمراني العشوائي
بناء مئات المنازل والمساكن داخل مجرى السيل مباشرة.
ثانياً: ردم المجرى بالمخلفات
إلقاء أطنان من مخلفات البناء والقمامة حتى ارتفع قاع الوادي وأصبح مساويًا للحواف والضفاف المجاورة.
هذا التشوه الجغرافي يعني باختصار أن السيل القادم لن يجد مسارًا منخفضًا يسلكه، بل سيفيض فورًا يمينًا وشمالًا، ليجتاح كل ما يعترض طريقه.
أشباح الماضي وتحذيرات الحاضر
التاريخ لا يرحم الغافلين، والذاكرة الجماعية لا تزال تحتفظ بأهوال السيل الكبير عام 1982م. ففي ذلك الوقت كانت مجاري السيول مفتوحة نسبيًا، ومع ذلك كانت الخسائر فادحة.
وقبل أعوام قليلة فقط، شهدنا سيلًا وُصف بـ"الصغير"، لكن نتائجه كانت مأساوية؛ إذ أزهق أرواحًا بريئة، ودمر ممتلكات، واضطرب مجراه يمنة ويسرة قبل أن يشق طريقه بالقوة، وكأنه يوجه لنا إنذارًا أخيرًا بأن الطبيعة لا تنسى مجاريها.
اليوم تغيرت المعادلة نحو الأسوأ؛ فالمنازل التي بُنيت بالعشرات والمئات داخل المجرى ستجعل من أي سيل قادم، حتى وإن كان متوسط الشدة، كارثة محققة قد تُقاس ضحاياها بالعشرات أو المئات، وربما بالآلاف من الأبرياء.
درس من الواقع
إن ما حدث في درنة الليبية، وما شهدته مكة المكرمة ومناطق أخرى من سيول جارفة، ليس ببعيد عنا. ففي كل تلك الكوارث كان القاسم المشترك واحدًا: البناء العشوائي في ممرات السيول، والذي كان أول الضحايا وأحد أكبر أسباب ارتداد المياه وتدمير الأحياء المجاورة.
التغير المناخي.. عودة الأنهار الجافة
لم يعد الحديث عن الأمطار الغزيرة مجرد تخمينات أو توقعات، بل أصبح واقعًا علميًا يؤكده خبراء الأرصاد والجيولوجيا.
لقد دخلت شبه الجزيرة العربية، ومن ضمنها اليمن، مرحلة من التحولات المناخية الجذرية، ما يعني عودة السيول الضخمة إلى مناطق جفت لسنوات طويلة، لتعود المياه إلى مجاريها القديمة بقوة وعنفوان لا تستطيع مجموعات البلوك والخرسانة العشوائية الوقوف في وجهها.
إن من استرخص الأرواح، وتجاهل ضميره، وأغمض عينيه عن عواقب البناء في بطن الوادي، لا يخاطر بنفسه فحسب، بل يحول المنطقة بأكملها إلى مسرح لجريمة جماعية قادمة.
صرخة أخيرة
الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع هي أنه لو تُرك مجرى وادي الحسوة مفتوحًا ونظيفًا وعميقًا، فلن يحدث أي ضرر لأي إنسان، سواء لمن يسكن بجواره أو للمناطق المحيطة به، فالمياه ستمر بسلام إلى مصبها الطبيعي دون أن تريق قطرة دم واحدة.
لذلك نتوجه بهذا النداء العاجل والمسؤول إلى:
1. الجهات الحكومية والمحلية
ضرورة التدخل الفوري والحازم لإزالة الاستحداثات العشوائية، وتنظيف بطن الوادي وتعميقه قبل مواسم الأمطار القادمة.
2. المواطنين والسكان
الاستماع إلى صوت العقل والضمير، والابتعاد عن المناطق الخطرة وإخلاؤها حفاظًا على الأرواح والممتلكات.
إنها صرخة نطلقها بكل قوة لإبراء الذمة أمام الله وأمام المجتمع، وللحفاظ على الأرواح والممتلكات قبل أن يفوت الأوان، ويسجل التاريخ كارثة كان يمكن تفاديها بقرار شجاع.