لندن | خاص : كشف تقرير دولي حديث عن الأبعاد الكارثية لحملة الاختطافات والاحتجازات التعسفية التي تشنها مليشيا الحوثي ضد موظفي الأمم المتحدة والعاملين في الحقل الإنساني، مؤكداً أن آثار هذه "القرصنة الحقوقية" تجاوزت الضحايا وعائلاتهم لتدفع بملايين اليمنيين إلى قاع الجوع والمرض بعد شلّ قدرة المنظمات الدولية على التحرك.
وأفاد التقرير الصادر عن مؤسسة "The Next Century Foundation" البريطانية، بأن المليشيا لا تزال تحتجز 73 موظفاً أممياً إلى جانب العشرات من كوادر المنظمات المحلية والدولية، متجاهلة كافة النداءات الأممية، مما خلق بيئة عدائية غير مسبوقة تهدد بوقف العمليات الإغاثية بالكامل في مناطق سيطرتها.
زنازين مظلمة واعترافات تحت التعذيب
وفصّل التقرير الممارسات الحوثية منذ عام 2024، حيث داهمت المليشيا منازل العاملين الإنسانيين واقتادتهم إلى معتقلات سرية دون مسوغ قانوني، في خطوة تصنف دولياً كـ "جرائم إخفاء قسري". وحُرم المختطفون من التواصل مع عائلاتهم أو الحصول على تمثيل قانوني، وسط مخاوف حادة على سلامتهم عززتها فاجعة وفاة اثنين من الكوادر الإنسانية داخل الزنازين الحوثية (مسؤول الأمن والسلامة في منظمة "أنقذوا الأطفال"، وموظف برنامج الأغذية العالمي).
ولفت التقرير إلى تعرض المحتجزين لضغوط جسدية ونفسية وحرمان متعمد من الرعاية الطبية لانتزاع اعترافات قسرية، بثت المليشيا أجزاءً منها عبر وسائل إعلامها لتسويق تهم "التجسس والتخابر" الجاهزة، وهي الحملات التي ترافقت مع تحريض ممنهج ضد العمل الإغاثي، دفع بالعديد من الكوادر الدولية لمغادرة البلاد أو تقليص أنشطتها حرصاً على حياتها.
لغة الأرقام المأساوية لعام 2026
وربط التقرير البريطاني بين تجفيف العمل الإغاثي وبين الانفجار المرعب في مؤشرات الكارثة الإنسانية داخل اليمن، مستعرضاً إحصائيات مرعبة تعكس واقع الحال حتى منتصف العام الجاري 2026:
• السكان تحت خط الحاجة: نحو 22.3 مليون يمني (أكثر من ثلثي الشعب) باتوا يعتمدون كلياً على المساعدات للبقاء على قيد الحياة.
• انعدام الأمن الغذائي: يواجه 18.3 مليون شخص خطر الجوع الحاد، من بينهم 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة، ونحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة يعانون من سوء التغذية الحاد.
• فجوة التمويل الخانقة: بلغت الاحتياجات الإنسانية للعام الحالي 2.16 مليار دولار، لم يتم تمويل سوى 12.7% منها فقط، جراء المخاوف الدولية من التلاعب الحوثي بالمساعدات.
تجيير المساعدات للمجهود الحربي وانهيار طبي
وانتقد التقرير بشدة القيود الحوثية المفروضة على آليات توزيع الإغاثة، كاشفاً عن تحكم الجماعة بقوائم المستفيدين وتوجيه حصص الغذاء والدواء لصالح عناصرها وعائلات مقاتليها، مما نسف مبادئ "الحياد والاستقلالية". وفي المقابل، أشار التقرير إلى أن المحافظات المحررة، رغم الصعوبات الاقتصادية والأمنية، تمنح الهيئات الدولية هامش حركة أوسع نسبياً للوصول إلى المحتاجين.
وعلى الصعيد الصحي، حذرت المؤسسة البريطانية من انهيار وشيك للمنظومة الطبية بعد خروج 40% من المرافق الصحية عن الخدمة كلياً أو جزئياً، بالتزامن مع تفشٍ مرعب للأوبئة القاتلة (الكوليرا، الحصبة، حمى الضنك، وشلل الأطفال) في ظل شلل البرامج الوقائية واللقاحات.
وخلص التقرير إلى توجيه نداء عاجل للمجتمع الدولي يطالبه بالانتقال من "مربع القلق والإدانة الشفهية" إلى اتخاذ إجراءات ضغط حقيقية ورادعة، مؤكداً أن تحويل ملف الإغاثة إلى ورقة مقايضة سياسية يضع ملايين المدنيين أمام خيارين لا ثالث لهما: الموت جوعاً في الخيام، أو الموت مرضاً في المشافي المتهالكة.