الحقيقة انه في بلادنا، لا يحتاج المرء إلى منظار سياسي ليرى أن غالبية الشعب اليمني يريدون استعادة الدولة وإنهاء انقلاب مليشيا الحوثي واستعادة المؤسسات التي ابتلعتها المليشيا، لكن المشكلة أن بعض من يتحدثون باسم هذا الهدف العظيم تصرفوا وكأن استعادة الدولة مشروع موسمي، يُرفع كشعار في المؤتمرات ووسائل الاعلام ويُطوى عند أبواب مقرات اقامتهم في الفنادق.
فالمواطن اليمني، الذي دفع الثمن دماً وفقراً وتشريداً، يبدو أكثر وضوحاً من بعض نخبته السياسية.
المواطن البسيط يعرف ماذا يريد: دولة، وقانون، ورواتب، ومؤسسات، وجيشاً وطنياً، ومستقبلاً لأطفاله وسيادة أما بعض محترفي الخطابة السياسية، فما زالوا يتعاملون مع القضية كما لو أنها فقرة في برنامج علاقات عامة، أو مناسبة لالتقاط الصور التذكارية تحت لافتة ضخمة كتب عليها: "استعادة الدولة".
ما أكثر الذين يعشقون كلمة "استعادة". يريدون استعادة النفوذ، واستعادة الامتيازات، واستعادة المقاعد، واستعادة الألقاب، واستعادة الأضواء، أما استعادة الدولة نفسها هى آخر بند في جدول الأعمال او همومهم وتطلعاتهم.
هناك من يتحدث عن معركة وطنية مصيرية بينما معركته اليومية الحقيقية تدور حول حجز أفضل جناح في الفندق، أو اختيار المقهى الأنسب لإلقاء محاضرة مطولة عن التضحية والصمود استعادة احلامه الزائفه، يجلس ساعات يناقش تحرير المحافظات، لكنه يعجز عن تحرير هاتفه من تطبيقات الصور والمنشورات الاحتفالية.
من غرائب السياسة اليمنية أن بعض السياسيين نجحوا في استعادة كل شيء تقريباً إلا علاقتهم بالواقع و اليمن. فهم يتحدثون عن الشعب كما يتحدث علماء الآثار عن حضارة قديمة: بإعجاب شديد، ولكن من مسافة آمنة ،فعندما تستنزف مانسميهم بالنخب الجهود في محاولات إعادة هندسة خارطة الكيانات السياسية وتقسيمها إلى مكونات أصغر، فإن النتيجة واحدة: صف وطني أضعف، وصوت مفقود وببساطة نقول لهم أن الحوثي ينتظر كل خلاف داخلي، كل اجتماع لتوزيع الحص داخل الكيان الواحد، كهدية مجانية يتحصل عليها من هذا التمزق و الصراعات الجانبية وتقسيم الكيانات السياسية". يعني الأولوية وللأسف انقلبت من إستعادة الدولة إلى معارك على "كرسي" وتقاسم النفوذ.
أما الحوثيون فقد بنوا مشروعهم على مصادرة الدولة وإخضاع المجتمع بقوة السلاح والعقيدة السياسية المغلقة، ولذلك فإن أي حديث جاد عن المستقبل يبدأ من استعادة مؤسسات الدولة وسيادتها على كامل التراب اليمني، لا من صناعة شعارات جديدة ولا من تدوير الخطب القديمة فالدولة لا تعود بالخطابات وحدها، ولا تستعاد بالمنشورات الحماسية.
المفارقة أن المواطن اليمني الذي أنهكته الحرب يبدو أحياناً أكثر استعداداً لتحمل أعباء التغيير من بعض النخب التي تتحدث باسمه، فهو يدرك أن الوطن ليس منصة خطاب، ولا بطاقة دعوة إلى مؤتمر، ولا صورة جماعية تُنشر في نهاية الاجتماع.
لقد تحولت كلمة "استعادة" عند بعضهم إلى ما يشبه الأثاث السياسي المتنقل؛ تُوضع في كل مناسبة وتُرفع في كل بيان لكن الكلمات، مهما لمع بريقها، لا تحرر أرضاً ولا تبني مؤسسة ولا تعيد دولة ،ما لم تكن الاستعادة المقصودة هي استعادة الجمهورية ومؤسساتها وسيادتها وقانونها، فإن الكلمة تفقد معناها وتتحول إلى زينة لغوية لا أكثر.
واليوم، بينما ينتظر اليمنيون نهاية هذه المأساة الطويلة، لا يسألون عن عدد البيانات الصادرة ولا عن عدد الندوات المنعقدة. السؤال أبسط بكثير: من يعمل فعلاً من أجل الدولة؟ ومن يكتفي بالحديث عنها؟
فالفرق بين رجل الدولة وبائع الشعارات يشبه الفرق بين من يحمل خريطة الطريق ومن يحمل مكبر الصوت: الأول يقود الناس نحو الهدف، والثاني يكتفي بإخبارهم، كل صباح، أن الهدف ما زال موجوداً في مكانه.
ولهذا فإن اليمن لا يحتاج إلى مزيد من محترفي الاستعادة اللفظية، بل إلى رجال ونساء يستعيدون معنى المسؤولية أولاً. لأن الدولة، في النهاية، لا تعود بالكلمات التي تُقال عنها، بل بالأفعال التي تُبذل من أجلها.