عندما تغيب الدولة عن "بوابة العالم"، لا يترك هذا الغياب فراغًا فحسب، بل يملؤه الارتجال. ففي باب المندب، لا تحكم المشهد الاقتصادي خطط التنمية أو الاستثمار، بل تحكمه "دورة الحياة اليومية" التي لا تتجاوز حدود بضعة كيلومترات، وسوقٌ وحيد يختزل كل طموحات المكان: سوق القات.
عندما يكون القات هو المركز التجاري
في أي منطقة استراتيجية في العالم، تتوقع أن ترى مكاتب لوجستية، وفنادق، ومراكز إدارية، ومؤسسات تدير حركة الممر المائي. لكن في باب المندب، يغيب كل ذلك، لتصبح أكوام القات الملمح الأبرز للنشاط التجاري.
هنا يتحول سوق القات إلى "ميدان التحرير" المحلي؛ فهو المكان الذي يلتقي فيه الصيادون بعد عناء يومهم لبيع ما اصطادوه، والمركز الذي تُصرف فيه الأموال القليلة التي جُنيت من البحر، والمكان الذي تُناقش فيه هموم الناس تحت تأثير هذه النبتة. إن سيادة هذا السوق تمثل برهانًا دامغًا على الركود التنموي؛ فالمواطن الذي لا يجد مؤسسة تعليمية أو مهنية تفتح له آفاقًا خارج الصيد، يجد في هذا السوق عزاءه الوحيد ووجهته الأولى.
اقتصاد "اليوم بيومه"
حياة الصياد هنا ليست مهنةً بمفهومها المؤسسي، بل هي "مقامرة" يومية مع البحر. وتفتقر المنطقة إلى أبسط المقومات التي تجعل من الصيد عملًا مربحًا:
- لا تبريد: يضطر الصياد إلى بيع صيده بأسعار بخسة خوفًا من التلف، في ظل غياب سلسلة تبريد مركزية.
- لا دعم: تثقل أسعار الوقود كاهل الصياد، فتلتهم ما تبقى من هامش ربحه البسيط.
- لا تنظيم: يؤدي غياب سوق مركزي منظم إلى جعل الصياد فريسة سهلة للوسطاء الذين يتحكمون بالأسعار دون رقيب.
غياب المؤسسة... وتغول الإهمال
إن الإهمال الحكومي هنا ليس مجرد تقصير، بل هو تغييب ممنهج لفرص العيش الكريم. فعندما لا تتوفر مستشفى صغيرة تعالج أبسط الحالات الطارئة، ولا مدرسة مهنية تؤهل الشباب لعمل غير الصيد، فإن ذلك يعني الحكم على أجيال كاملة بالبقاء داخل هذه الحلقة المفرغة.
شباب باب المندب ليسوا كسالى، بل هم ضحايا لبيئة مغلقة. طاقاتهم، التي كان يمكن أن تبني موانئ أو تدير شركات خدمات لوجستية، تتبدد في قوارب متهالكة أو في مجالس القات، انتظارًا لدولة لا تأتي.
فهل ستظل حياة هؤلاء معلقة في مهب الريح؟ أم أن هناك صوتًا سيخرج ليطالب بحقهم في التنمية؟ هذا ما سنفتحه في ملف الحلول والمطالب في الحلقة الثالثة والأخيرة.