يواجه أكثر من 7 آلاف مريض بالسكري في محافظة مأرب خطراً يهدد حياتهم بشكل مباشر، إثر جفف منابع مادة "الإنسولين" الحيوية من المشافي والمرافق الحكومية، وتحول الدواء المنقذ للحياة إلى سلعة نادرة يتقاذفها الروتين الرسمي وتلتهمها هوامير الصيدليات الخاصة بأسعار فلكية.
هذا العجز الطبي الحاد لم يعد مجرد أزمة شُحّ عابرة، بل تحول إلى رحلة طرد يومية يتجرع مرارتها المرضى؛ حيث يقر مدير عام مكتب الصحة والسكان بالمحافظة، الدكتور أحمد العبادي، بأن الشحنات الطبية الواصلة باتت أشبه بـ"قطرة في بحر" الاحتياج المتصاعد، مؤكداً أن المرفق الحكومي يراوح مكانه في دهاليز المراسلات مع وزارة الصحة والمنظمات الدولية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تمويلات غائبة.
خلف الأرقام والوعود الرسمية الباردة، تختبئ قصص مأساوية لضحايا يصارعون الموت البطيء منذ أكثر من ثلاثة أشهر؛ فالسبعيني "صالح أحمد"، الذي يسند جسده العليل بمرض السكري منذ 30 عاماً، يلخص الفخ الإداري الذي سقط فيه آلاف المرضى بقوله: "كنا نستلم علاجنا بكرامة من مكتب الصحة، ثم قذفوا بنا إلى مستشفى الهيئة لستة أشهر، قبل أن يستكثروا علينا حتى الكروت الرسمية! اليوم نموت في طوابير الحيرة، كل جهة ترمينا على الأخرى، والنتيجة صفر؛ لا إنسولين ولا رحمة".
ذات الوجع الممتد فوق رصيف الخذلان الحكومي ترويه المريضة "نجاة منصور"، التي هدّها التنقل العبثي بين أروقة المشافي الحكومية الخاوية، متسائلة بحرقة: "منذ ثلاثة أشهر وأنا أتحمل عناء السفر بين مستشفى الهيئة ومركز الصحة، والرد المعتاد دائماً (اذهبي هناك ولا يوجد علاج).. أنا لا أملك قوت يومي، فمن أين لي بثمن الدواء في الصيدليات التجارية؟".
ولم يقتصر العبث على غياب الدواء، بل امتد لفتح باب الاستثمار التجاري في أوجاع البسطاء؛ إذ يرفع المريض "عبد الرزاق حمود" الستار عن الفاتورة الباهظة للاحتكار قائلاً: "الإنسولين مقطوع قسراً منذ أربعة أشهر في المرافق العامة، بينما قفز سعر الفيال الواحد في السوق السوداء والصيدليات الخاصة إلى 14 ألف ريال يمني.. هناك أكثر من 200 مريض في دائرتي الضيقة يواجهون الموت كل ليلة، فإلى متى يغلق المسؤولون أعينهم عن هذا الإعدام الجماعي؟".
ومع دخول الأزمة شهرها الرابع، تقف مأرب اليوم على حافة كارثة صحية غير مسبوقة؛ حيث باتت جرعة "الإنسولين" اليومية خطاً فاصلاً بين الحياة والموت لآلاف الأسر النازحة والمحلية، وسط تحذيرات طبية من أن استمرار الصمت والاتكال على الوعود الورقية سيحول المحافظة إلى مقبرة جماعية لمرضى السكري الذين لا يملكون ترف الانتظار.