تواجه الدبلوماسية التنموية الألمانية واحدة من أعنف الأزمات الهيكلية في تاريخها، عقب تكشف تفاصيل ما وُصف بـ "الاحتيال الممنهج والمنظم" لشبكة فساد داخلية عبثت بأموال المساعدات الإنسانية المخصصة لليمن.
الفضيحة التي فجّرها تحقيق استقصائي موسع لصحيفة "دي فيلت" (Die Welt) الألمانية، وضعت الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) في قلب إعصار سياسي وقانوني، وسط تقديرات تشير إلى أن حجم الهدر المالي والأضرار المحتملة قد يلامس سقف الـ 100 مليون يورو.
شبكات داخلية وفواتير وهمية
وفقاً للوثائق الداخلية وسجلات التحقيق التي استندت إليها الصحيفة، فإن التجاوزات لم تكن مجرد أخطاء إدارية عابرة، بل دارت في فلك "فساد مؤسسي مدار بعناية".
وشملت الأنشطة غير القانونية قيد مبالغ مالية ضخمة لتمويل ندوات ودورات تدريبية وهمية لم تُعقد على أرض الواقع، وتزوير نفقات لوجستية تتعلق بصيانة المركبات وتعبئة وقود لرحلات ميدانية لم تنفّذ.
ولم تقتصر شبكة الفساد على الداخل؛ بل امتدت لتشمل تلاعباً بأسعار صرف العملات والتحويلات المالية والمشتريات لتهريب الأموال للخارج. كما كشف التقرير عن استمرار الوكالة في التعامل المالي مع "بنك اليمن والكويت" حتى بعد صدور تحذيرات داخلية صارمة عام 2023، وقبل وقت قصير من إدراج البنك على قوائم العقوبات الأمريكية بتهم غسيل الأموال وتهريبها لصالح جماعات مسلحة.
اتهامات بالتستر وإتلاف الأدلة
الأبعاد السياسية للقضية تعمقت مع تكشف معلومات تفيد بأن إدارة وكالة (GIZ) كانت على علم بالتقديرات الأولية للخسائر منذ منتصف عام 2023، إلا أنها آثرت إخفاء هذه التفاصيل عن مجلس الإشراف والبرلمان الألماني (البوندستاغ) لفترة طويلة، مكتفية بتوصيف الكارثة تحت بند "تجاوزات تجارية".
وما يثير علامات الاستفهام القانونية، هو ما حدث تزامناً مع قرار الوكالة مغادرة المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي في شمال اليمن عام 2025؛ حيث جرى تدمير وإتلاف أجزاء واسعة من ملفات المشاريع والوثائق الحساسة بذريعة "حمايتها"، وهو الإجراء الذي حظي حينها بموافقة وتغطية من وزارة التنمية الألمانية (BMZ).
زلزال سياسي في برلين
على الصعيد الإداري، حاولت الوكالة تدارك الموقف عبر الإعلان عن فصل وتوقيف 24 موظفاً في مكتبها باليمن منذ بدء تدفق المؤشرات الأولى نهاية عام 2022، كما استعانت بشركة التدقيق الدولية (KPMG) لحصر الأضرار.
إلا أن هذه الإجراءات لم تمنع حدوث "زلزال سياسي" في برلين؛ إذ طالبت أحزاب المعارضة، وفي مقدمتها الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، بتحقيق شفاف وفوري لمعرفة حدود التواطؤ. وفي المقابل، استغل حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف (AfD) الحادثة لتصعيد خطابه التشكيكي، مطالباً بإلغاء وزارة التنمية والتعاون الاقتصادي بالكامل ووقف المساعدات الخارجية الألمانية، مما يفتح الباب على مصراعيه لإعادة صياغة سياسة برلين التنموية في مناطق النزاعات.