بينما تتجه الأنظار نحو جبهات القتال المفتوحة في مأرب أو تعز، تعيش العاصمة صنعاء حالة من "المقاومة الصامتة" التي لا تظهر في تقارير الميدان العسكري، لكنها تمثل التحدي الأكبر لسطوة مليشيا الحوثي.
إنها ليست مقاومة بالرصاص، بل هي "حرب استنزاف" يومية تدور في الأزقة، والمساجد، وقاعات المحاكم، وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
صراع الهوية والجبايات: بؤر الرفض الخفية
تشير التقارير الميدانية والمصادر المطلعة إلى أن مناطق الطوق القبلي المحيطة بصنعاء — مثل أرحب، بني مطر، ونهم — لا تزال تشكل الخاصرة الرخوة لسيطرة المليشيا.
هنا، لا تكمن المقاومة في سلاح مرفوع، بل في رفض الامتثال القسري لسياسات الجماعة الاقتصادية والثقافية.
يقول مراقبون محليون: "إن الرفض في صنعاء يتخذ شكل التململ الاجتماعي عندما تفرض المليشيا جبايات جديدة تحت مسميات (المجهود الحربي) أو (الفعاليات الدينية)، يبدأ المواطن في صنعاء بممارسة أشكال من العصيان المدني الهادئ؛ تبدأ بالتهرب من الحضور في الفعاليات، وتصل إلى الامتناع عن دفع الجبايات، وهو ما يضع المليشيا في مواجهة مباشرة مع حاضنتها الشعبية المفترضة".
"الأمن الوقائي": استراتيجية الترويض
في المقابل، ردت مليشيا الحوثي بإنشاء منظومة أمنية معقدة تُعرف بـ "الأمن الوقائي". هذه المنظومة لا تهدف لضبط الأمن، بل "لهندسة المجتمع" وإفراغ العاصمة من أي أصوات معارضة.
تعتمد المليشيا الحوثية في رد فعلها على:
الاستقطاب والتهديد:
استخدام المشايخ والوجاهات كوسيط لفرض الولاء إذا رفض الشيخ أو الوجيه، يتم استبداله بآخر موالٍ للجماعة من "الصفوف الثانية" أو "المتحوثين الجدد".
سلاح التجويع:
تحويل المساعدات الإنسانية والرواتب إلى أداة ضغط؛ حيث يتم حرمان المناطق التي تظهر "تمرداً" أو تلك التي لا تتجاوب مع الحشود من أي امتيازات خدمية.
العسكرة الناعمة:
نشر "المشرفين" في كل حي، ليس فقط للمراقبة، بل للتدخل في أدق تفاصيل الحياة اليومية للمواطن.
تحدي الصحافة في "مدينة الصمت"
بالنسبة للصحفيين المستقلين داخل صنعاء، فإن توثيق هذا الواقع يعد مغامرة خطيرة. يقول أحد النشاط الحقوقيين : "نحن لا نصور دبابات، نحن نصور التغيرات في السلوك الاجتماعي. نحن نوثق كيف تحاول المليشيا الحوثية تغيير الهوية الثقافية لصنعاء، وكيف يقاوم الناس بتمسكهم بعاداتهم ورفضهم للخطاب الطائفي".
إن رد فعل المليشيا تجاه أي كتابة ناقدة هو "الاستئصال"، سواء عبر الملاحقة الأمنية، أو الإخفاء القسري، أو حتى تشويه السمعة في الإعلام الرسمي التابع لهم. ومع ذلك، لا تزال صنعاء تنجب أقلاماً تقاوم بكلمتها، مدركة أن الوعي هو الخط الأخير للدفاع عن المدينة.
الخاتمة: هل تنجح القبضة الحديدية؟
رغم سيطرة مليشيا الحوثيين المطلقة على مفاصل صنعاء، إلا أن التاريخ السياسي يؤكد أن "السيطرة الأمنية" لا تعني "القبول الشعبي". إن حالة الرفض الصامت في صنعاء تشكل قنبلة موقوتة، فالمجتمع الذي يتم الضغط عليه بهذا الشكل المستمر قد لا يخرج في ثورة مسلحة، لكنه يمارس عملية "نخر" مستمرة لشرعية المليشيا.
تظل صنعاء اليوم مدينة تعيش حالة من الترقب، حيث تُختبر قوة المليشيا في فرض إرادتها مقابل قوة المجتمع في الصمود. وبحسب المراقبين، فإن هشاشة هذه السيطرة ستظل قائمة ما دام الفجوة بين سياسات المليشيا وتطلعات المواطنين في اتساع.