بعد أكثر من أثنى عشر عامًا على اندلاع الحرب في اليمن، تتجه البلاد نحو مزيد من التعقيد السياسي والاقتصادي والإنساني، في وقت يرى فيه مراقبون أن الأزمة تجاوزت كونها حربًا عسكرية لتتحول إلى حالة انهيار شامل لمؤسسات الدولة، انعكست آثارها بصورة مباشرة على حياة ملايين اليمنيين الذين يواجهون أوضاعًا معيشية غير مسبوقة.
ويؤكد محللون سياسيون واقتصاديون أن استمرار الصراع بين مليشيا الحوثي والحكومة المعترف بها دوليًا أدى إلى تكريس واقع مزدوج للإدارة، أضعف مؤسسات الدولة، وعمّق الانهيار الاقتصادي، ووسع دائرة الفقر والبطالة، في ظل غياب حلول سياسية قادرة على إنهاء الأزمة الممتدة.
الحوثيون.. سلطة الأمر الواقع واقتصاد الجبايات
في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي الارهابية، يقول مراقبون إن الجماعة أعادت تشكيل مؤسسات الدولة بما يخدم بنيتها العسكرية والأمنية، على حساب الوظيفة المدنية للمؤسسات العامة، الأمر الذي أوجد منظومة اقتصادية موازية تعتمد بصورة رئيسية على الجبايات والإيرادات المفروضة على القطاع الخاص والمواطنين.
ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن سنوات الحرب شهدت استمرار توقف صرف رواتب شريحة واسعة من موظفي الدولة والذي تتحمل المليشيا المسؤولية، مقابل توسع مليشيا في فرض رسوم وإتاوات متعددة تحت مسميات مختلفة، شملت الأنشطة التجارية والأسواق والقطاعات الإنتاجية، إلى جانب إعادة توجيه جزء من الموارد العامة لتمويل العمليات العسكرية.
كما تتهم منظمات حقوقية المليشيا بفرض قيود واسعة على الحريات العامة، وتضييق مساحة العمل السياسي والإعلامي، وملاحقة المعارضين والناشطين، وهي اتهامات تنفيها الجماعة باستمرار.
ويرى محللون أن هذه السياسات أسهمت في توسيع الفجوة الاجتماعية، مع ظهور شبكات اقتصادية مرتبطة بقيادات الجماعة، في مقابل تراجع القدرة الشرائية لغالبية السكان واتساع رقعة الفقر في مناطق سيطرتها.
الحكومة الشرعية.. شرعية سياسية وأداء يواجه انتقادات
وفي المقابل، تواجه الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا انتقادات متزايدة بسبب ضعف الأداء التنفيذي وعدم قدرتها على تحسين مستوى الخدمات أو تحقيق استقرار اقتصادي في المحافظات الواقعة تحت إدارتها.
ويقول مراقبون إن استمرار إقامة عدد من كبار المسؤولين خارج البلاد،واستلامهم المرتبات بالدولار إلى جانب الانقسامات السياسية داخل مؤسسات الشرعية، انعكس سلبًا على كفاءة إدارة الملفات الاقتصادية والخدمية، وأضعف ثقة المواطنين بأداء مؤسسات الدولة.
كما لا تزال مدن رئيسية، بينها عدن وتعز، تعاني من تدهور مستمر في خدمات الكهرباء والمياه والصحة،والامن بالتزامن مع وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وهو ما فاقم الأعباء المعيشية على السكان.
ويرى محللون أن تعدد مراكز القرار داخل معسكر الحكومة، وتباين أولويات القوى السياسية المنضوية فيه، حال دون تنفيذ إصلاحات حقيقية أو بناء مؤسسات قادرة على الاستجابة للتحديات الاقتصادية والإدارية.
الانقسام المالي.. حرب اقتصادية تستنزف اليمنيين
ولم يقتصر الصراع على الجوانب العسكرية، بل امتد إلى القطاع المالي والمصرفي، حيث أدى الانقسام بين صنعاء وعدن إلى وجود سياسات نقدية متباينة انعكست بصورة مباشرة على الاقتصاد الوطني.
ويشير اقتصاديون إلى أن الخلافات المتعلقة بإدارة البنك المركزي والسياسة النقدية أدت إلى تفاوت كبير في أسعار صرف العملة بين مناطق البلاد، وارتفاع معدلات التضخم، وزيادة أسعار الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، ما أدى إلى تآكل دخول المواطنين وتراجع قدرتهم على تلبية احتياجاتهم اليومية.
كما ساهم توقف صادرات النفط في فترات متقطعة، إلى جانب تراجع الإيرادات العامة، في تعميق الأزمة المالية للحكومة، في حين واصلت جماعة الحوثي فرض قيودها على النشاط المالي والتجاري داخل مناطق سيطرتها.
أزمة إنسانية مستمرة وتراجع التمويل الدولي
ورغم استمرار تصنيف اليمن كواحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، فإن وكالات الإغاثة الدولية حذرت من اتساع فجوة التمويل، الأمر الذي أدى إلى تقليص العديد من البرامج الإنسانية الموجهة لملايين المحتاجين.
وتتهم تقارير حقوقية جماعة الحوثي بالتدخل في مسار توزيع المساعدات الإنسانية وفرض قيود على عمل المنظمات، بينما يرى مراقبون أن الحكومة الشرعية لم تنجح في تطوير برامج اقتصادية وتنموية تقلل من الاعتماد على المساعدات الخارجية، أو في بناء مؤسسات قادرة على إدارة مرحلة التعافي.
مستقبل غامض
ويجمع محللون على أن استمرار الانقسام السياسي والعسكري، وغياب أي تقدم ملموس في مسار التسوية او الحسم العسكربي، ينذر بإطالة أمد الأزمة، ويجعل فرص استعادة مؤسسات الدولة أكثر تعقيدًا.
ويرى هؤلاء أن الخاسر الأكبر من استمرار الصراع يبقى المواطن اليمني، الذي يجد نفسه بين سلطة أمر واقع متهمة بتوسيع الجبايات والقيود الأمنية، وحكومة معترف بها دوليًا تواجه انتقادات واسعة بسبب ضعف الأداء وعجزها عن تحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من ترسخ الانقسام وإطالة أمد معاناة البلاد.