في مشهد يعكس عمق الفجوة بين وعود "الكهنة" وواقع الناس المرير، تحولت المطالبة بالخدمات الأساسية في مناطق نفوذ ميليشيا الحوثي إلى "جريمة كبرى" تستوجب القمع المسلح. من صعدة التي تعاني التهميش الممنهج، إلى عمران التي باتت محاصرة بالجبايات والظلام، وصولاً إلى الجوف، يتكرر السيناريو ذاته: مواطنون يطالبون بحقهم في الكهرباء والماء، فيُقابلون بوابل من الرصاص بدلاً من الحلول الإدارية.
كهنة "الكهرباء": يوزعون الرصاص بدل الأمبيرات
تتصرف المليشيا مع أزمات الكهرباء وكأنها "لغز فيزيائي" لا يملك مفاتيحه إلا "زعامات الظل". ففي الوقت الذي تغرق فيه المحافظات في ظلام دامس، تعمد الميليشيا إلى تسخير الموارد لخدمة معسكراتها وفعالياتها الطائفية، تاركةً المستشفيات والمدارس والمنازل في مهب حرارة الصيف القاتل. وعندما يضيق الناس ذرعاً ويخرجون للمطالبة بالإنارة، تبرز "آلة القمع" الحوثية كحارس وحيد لمصالحهم؛ حيث تُرسل الأطقم العسكرية لتفريق المحتجين، تحت تبريرات واهية تتهم الأهالي بـ"العمالة" أو "زعزعة الأمن".
إن المفارقة الصارخة هنا هي أن الميليشيا التي ترفع شعارات "التحرر من الهيمنة"، تمارس أقسى أنواع الهيمنة على حياة المواطن اليومية. بالنسبة لهم، "المصباح" الذي يضيء بيت مواطن بسيط هو تهديد لـ"الكهنوت"، لأن المواطن المستنير بحقوقه هو أخطر من أي عدو عسكري.
من صعدة إلى عمران: حين تصبح المطالبة بالماء "جريمة"
في صعدة، المعقل الرئيسي، لا يختلف الحال كثيراً عن عمران؛ حيث تسيطر الميليشيا على قطاع المياه وتديره كأداة للتركيع. إن حرمان القرى من مياه الشرب أو تعمد قطع الإمدادات عنها لا يعد تقصيراً إدارياً فحسب، بل هو سياسة ممنهجة لإخضاع القبائل التي لا تزال تتمسك باستقلاليتها.
في عمران، تحولت المطالبة بمشروع مياه إلى "جريمة خيانة عظمى" في نظر قيادات الميليشيا الأمنية. إنهم لا يريدون للمواطن أن يفكر في "قطرة ماء" بقدر ما يريدونه أن ينشغل بتوفير ثمن "الجبايات" التي تفرضها الميليشيا لتمويل حروبها. هذا الربط بين قمع الخدمة وبين الاتهام بالخيانة هو التكتيك الأحدث الذي يتبعه "كهنة الميليشيا" لتجنب تقديم أي إنجاز حقيقي، فإشغال الناس بـ"تهم التخوين" هو البديل الأرخص عن توفير الخدمات.
خاتمة: المواجهة الحتمية
إن التضييق على المواطن في أبسط حقوقه — الماء والكهرباء — لم يعد يمر دون ردود فعل قبلية غاضبة، بدأت تتشكل في أكثر من محافظة. لم تعد الميليشيا تواجه "أرقاماً أو أفراداً"، بل بدأت تصطدم بـ"كرامة القبيلة" التي لا تقبل الذل. إن سياسة "توزيع الرصاص بدل الأمبيرات" قد تجلب للميليشيا هدوءاً مؤقتاً بالحديد والنار، لكنها في جوهرها تزيد من اشتعال "الفتيل الاجتماعي" الذي قد ينفجر في أي لحظة.
سيبقى السؤال الذي يتردد في كل منزل يمني يغرق في الظلام: إلى متى ستستمر هذه الميليشيا في قصف كرامة الناس لمجرد أنهم طالبوا بـ"نورٍ" يعينهم على ظلمة العيش؟