لم يعد الأمر مجرد تكهنات سياسية أو قراءات استخباراتية حذرة؛ وصول قيادات رفيعة من الحرس الثوري الإيراني إلى العاصمة المختطفة صنعاء هو بمثابة إعلان رسمي عن الانتقال إلى الخطة "ب". طهران، التي تجد نفسها محاصرة بالضغوط والتحولات، قررت بوضوح فتح جبهة جديدة بالكامل، تمتد خطوط نارها من ضفاف الخليج العربي وصولاً إلى عمق البحر الأحمر، متخذة من الجغرافيا اليمنية منصة انطلاق أخيرة.
هذه الخطوة الخطيرة لا يمكن قراءتها بمعزل عن الميدان. فالتحركات المكثفة في صنعاء تتزامن، بشكل مريب ومدروس، مع تحشيدات عسكرية ضخمة تنفذها ميليشيا الحوثي على جبهات الساحل الغربي. هذا التناغم الميداني يشير بلا لبس إلى أن أدوات إيران في اليمن تلقت الضوء الأخضر لبدء تصعيد مرجح، تصعيد لا يهدف إلى تحسين شروط تفاوض محلي، بل إلى تلبية حاجة إقليمية ملحة للمشروع الإيراني، وضخ دماء جديدة في عروق وكلائها الإقليميين.
المنطقة اليوم تقف بكل ثقلها أمام سيناريوهات شديدة الخطورة، في ظل مؤشرات واضحة على أن إيران تعيد ترتيب جبهاتها العسكرية وتوزيع أدوار وكلائها، ليس من أجل الدفاع، بل "لتوسيع أرض المعركة" وتوزيع الرسائل بالدم والنار. والسيناريو بات مكشوفاً وواضحاً للقاصي والداني؛ إذ تدفع طهران بكل ثقلها باتجاه تفجير الوضع في مضيق باب المندب. وهنا يكمن المحك الحقيقي، حيث إن العبث بهذا الممر الحيوي وتحويله إلى ساحة ابتزاز دولي يمثل في الواقع خطورة تفوق خطورة "النووي الإيراني" نفسه على دول المنطقة والعالم بأسره. فالقنبلة النووية سلاح للردع والتهديد المؤجل، أما خنق الممرات المائية فهو طعنة مباشرة ومستمرة في شريان الحياة اليومي للاقتصاد العالمي.
الحقيقة المرة التي يجب أن يدركها المجتمع الدولي، وعواصم القرار تحديداً، هي أن النظام الإيراني وصل إلى مرحلة "لم يعد لديه ما يخسره" في أي مواجهة قادمة. يعيش النظام تحت وطأة أزمات هيكلية خانقة، ويرى في تفخيخ الاستقرار الإقليمي طوق النجاة الوحيد له، منطلقاً من استراتيجية حافة الهاوية. فالهدف الإيراني من وراء التصعيد في اليمن ليس تحقيق نصر سياسي لمليشياتها، بل هو تدمير ممنهج لاستقرار دول المنطقة، ومحاولة "خنق العالم اقتصادياً" عبر الإضرار المباشر بحركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب.
إنها سياسة حرق المراكب، وتحويل اليمن من جرح محلي إلى حرب استنزاف دولية تضع أمن الطاقة والوعاء الاقتصادي العالمي تحت رحمة "المُسيّرات" و"الصواريخ المهربة". وعواصف البحر الأحمر القادمة لن تقف عند حدود الشواطئ اليمنية، وحصافة الموقف العربي والدولي تتطلب اليوم التعامل مع رأس الأفعى في طهران، لا مع ظلها في صنعاء، قبل أن يستيقظ العالم على مضيق مغلق وصراع ممتد لا يعود فيه مجرد الحديث عن الاستقرار ممكناً.