جبهة الجوف معركة يجب أن يتداخل فيها المركز القانوني للدولة مع الضرورة الوجودية للجغرافيا، لكسر طوق المسخ الهوياتي والسياسي الذي تفرضه مليشيا الحوثي. وفي هذا السياق، يبرز مطرح الريان كحجر زاوية في معادلة كسر التمدد المليشياوي، حيث تتحول المواجهة من مجرد اشتباك حدودي إلى اختبار حقيقي لهيبة الدولة وشرعيتها الدولية في مواجهة مشروع عابر للحدود، حال تقديم الدعم المطلوب لإشعال ثورة تقتلع الحوثي من جذوره.
الجوف ليست مجرد رقعة جغرافية، بل هي العمق الاستراتيجي الذي يربط صنعاء بالحدود الصحراوية ومأرب. ووجود مطرح قوي في هذه المنطقة يعني تقويض القدرة الحوثية على المناورة والالتفاف نحو مأرب، حيث يمثل الريان حاجز صد يفرض على مليشيا الحوثي استنزاف مواردها في معارك بعيدة عن مراكز ثقلها في صنعاء، مما يحولها من قوة مهاجمة إلى قوة محاصرة في جبهات الصحراء المفتوحة التي تفتقر فيها إلى الغطاء الجغرافي الذي توفره لها جبال شمال اليمن.
رؤى تحليلية حول الموقف
مليشيا الحوثي كيان متمرد
يقول الدكتور كمال الشيباني، الخبير في القانون الدولي:
"إن توصيف الدولة لمركزها القانوني ليس ترفاً نظرياً، بل هو أداة حصار سياسي. فعندما تتعامل مؤسسات الدولة مع مليشيا الحوثي ككيان متمرد خارج عن النص الدستوري والقانون الدولي، فإنها تغلق منافذ الشرعية التي تحاول المليشيا التسلل عبرها. ونجاح الجوف عسكرياً سيمنحنا تفوقاً قانونياً في المحافل الدولية لتجريم أي تماهٍ خارجي مع هذه المليشيا."
المليشيا تفتقر إلى العمق الجغرافي
وقال العميد الركن ناصر الجوفي، الخبير الاستراتيجي العسكري:
"مطرح الريان ليس مجرد تحصينات رملية، إنه (كسارة) للمشروع المليشياوي. والسيطرة على الجوف تعني قطع الشرايين الحيوية التي تربط مليشيا الحوثي بمناطق التهديد الاستراتيجي لمأرب، فالمليشيا تفتقر إلى العمق الجغرافي الذي تحتاجه في حرب الاستنزاف المفتوحة بالصحراء، وهذا يعني أن أي تراجع لها في الجوف سيكون هزيمة استراتيجية لا يمكن تعويضها."
الدفاع عن سيادتنا يبدأ من حماية هذه المطارح
وقال الأستاذ فهد العبسي، الباحث في الشؤون السياسية:
"نحن أمام تحول جذري في إدارة الحرب؛ فالدولة بدأت تدرك أن القوة العسكرية دون غطاء قانوني صلب لا تحسم النزاعات الطويلة. والجوف أصبحت اليوم مختبراً للتماسك الوطني؛ فالدفاع عن سيادتنا يبدأ من حماية هذه المطارح، وينتهي بفرض إرادتنا السياسية على طاولة المجتمع الدولي التي لم تعد تحتمل استمرار اختطاف الدولة من قبل مليشيا الحوثي."
السيناريوهات المحتملة ومآلات الخطوة
يبدو أننا أمام مسار يتجه نحو خيارين متباعدين:
استراتيجية الردع النشط: إذا نجح مجلس القيادة الرئاسي في حشد الغطاء الدولي، الذي يضمن دعماً لوجستياً واستخباراتياً، فقد نشهد تصعيداً مدروساً يهدف إلى دفع المليشيا للتراجع عن "تخادمها" مع إيران، عبر تكثيف الضغط العسكري في جبهات مثل الجوف، والضغط الاقتصادي من خلال ربط المؤسسات المالية بالمركز.
حرب الاستنزاف الممتدة: في حال تعثر الحشد الدولي، ستتحول المعركة إلى صراع وجود طويل الأمد، حيث سيكون مطرح الريان وغيره من الجبهات هو "المختبر" الذي يُقاس عليه مدى تماسك الجبهة الداخلية، ومدى قدرة الدولة على تمويل الحرب وتقديم الخدمات للمواطنين في آنٍ واحد.
الخاتمة:
في المحصلة، تظل الجوف هي الحصن الذي تتكسر عنده أوهام التمدد المليشياوي، ومعركة مطرح الريان ليست سوى تجسيد حي لإرادة الصمود. وإن المركز القانوني للدولة ليس مجرد نصوص في دستور معلق، بل هو سلاح فتاك حين يقترن بالفعل الميداني الصارم.
إن المرحلة القادمة تقتضي تحويل هذا الزخم إلى واقع مفروض لا يقبل القسمة على اثنين؛ فإما دولة كاملة السيادة تستعيد زمام المبادرة، أو انهيار لمشروع المليشيا تحت ثقل عزلتها الدولية وهزيمتها الميدانية. إنها لحظة تاريخية فارقة تثبت فيها اليمن أن جذورها في الأرض، وهويتها في القانون، وإرادتها أقوى من أن تُختزل في قبضة مليشيا لا تؤمن إلا بلغة الدم والدمار.