في الـ17 من يوليو 1978م من كل عام، تعود إلى ذاكرة اليمنيين صورة وطن كان على وشك السقوط، فأُعيد ترميمه من الصفر.
ذكرى ميلاد دولة من رحم الفوضى التي عصفت باليمن، الذي شهد سلسلة من الاغتيالات والسير بالوطن نحو الفوضى والحرب الأهلية.
إنه اليوم الذي انتُخب فيه الزعيم الراحل علي عبد الله صالح رئيسًا للجمهورية العربية اليمنية عام 1978، لتبدأ معه صفحة جديدة طوت عقودًا من الاغتيالات والانقلابات والانقسامات، وأرست نواة لدولة حقيقية قائمة على الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وحكم الشعب نفسه بنفسه عبر صندوق الاقتراع بدلًا من الدبابة والمدفع وسلوك طريق الاغتيالات لبلوغ كرسي الرئاسة في القصر الجمهوري.
عام 1978 لم يكن اليمن يبحث عن رئيس، بل كان يبحث عن منقذ يخرجه من الفوضى ونزيف الدم اليمني على ترابه الطاهر، حينما كانت العاصمة صنعاء شبه مغلقة، والجيش منقسمًا، والمؤسسات متوقفة، والشارع يعيش على وقع الخوف من المجهول، ولا شيء يلوح في الأفق سوى الاقتتال ورائحة البارود.
في هذا التوقيت الصعب، تسلم علي عبد الله صالح قيادة بلد منهك تنزف جراحه، بطريقة ديمقراطية. بلد لم يكن يمتلك بنية تحتية حقيقية ولا موارد، لكن الزعيم حينها امتلك قرارًا سياسيًا حاسمًا: إعادة بناء الدولة اليمنية الحديثة.
وخلال سنوات قليلة تحولت الأولويات من "إطفاء الحرائق" إلى "البناء"، وخلال فترة وجيزة استطاع الشهيد علي عبد الله صالح إعادة هيكلة الأجهزة الحكومية، وتثبيت هيبة القانون، وتوحيد المؤسسة العسكرية تحت راية واحدة، إضافة إلى التوسع في المدارس والمستشفيات والطرق بعد عزلة طويلة، وفتح باب الحوار، وترسيخ التعددية.
وكان التتويج الأكبر في 22 مايو 1990 بإعلان الوحدة اليمنية، وهي الخطوة التي اعتبرها كثيرون أهم إنجازات تلك المرحلة، باعتبارها حلمًا لكل اليمنيين وهدفًا ساميًا من أهداف ثورتي سبتمبر وأكتوبر.
ظل 17 يوليو بالنسبة للكثير من اليمنيين عنوانًا لمرحلة الأمن والاستقرار وبناء الدولة الحديثة، ومن أهم أركانها الديمقراطية، والتداول السلمي للسلطة، وحرية الرأي، وهي مكاسب تحققت للشعب اليمني على مدى مسيرة الرئيس الشهيد، وخلال 33 عامًا من الحكم.
أما اليوم، فالمشهد معكوس: انقسام سياسي، وتعدد سلطات، وانهيار خدمات، وغياب مشروع وطني جامع.
ومن هنا يأتي الحنين إلى عهد الزعيم، حين كانت للدولة قيادة واحدة، وقرار واحد، ومشروع واحد، وهو ما أغضب أعداء الديمقراطية والنهوض التنموي، فكان عام 2011، الذي مثّل - بحسب كاتب المقال - انقلابًا على مسيرة البناء والتداول السلمي للسلطة، ولا يزال اليمنيون يتجرعون مراراته بعد أن ضاعت الدولة والأمن والاستقرار، وتحول الشعب اليمني إلى مشرد ولاجئ في الداخل والخارج، يقاسي الفقر والجوع في دولة بات يعبث بها الفاسدون ممن أطلقوا على أنفسهم ثوار فبراير.
لهذا يقول كثيرون اليوم: إن استعادة ذكرى 17 يوليو ليست تمجيدًا للماضي، بل هي سؤال للحاضر: من يعيد لليمن دولته كما أُعيدت في 17 يوليو 1978؟
لا أحد يمتلك الإجابة وسط الضبابية السياسية، وعجز من تولوا القيادة عن قيادة الوطن إلى بر الأمان، في ظل سلطة لا تملك قرارها وتمارس الحكم من خارج الحدود.
ومادمنا نتذكر هذا اليوم المجيد، فلا يسعنا إلا أن نقف بخشوع، ونرفع أكف الدعاء بالرحمة والمغفرة للزعيم علي عبد الله صالح، رجل الدولة الذي أنقذ وطنًا من الضياع.