ما أسخفَ هؤلاء الذين شغلونا وشغلوا أنفسهم بماضٍ لن يعود أبدًا. أريد أن أعرف: ما نفعُ النقاشِ والجدلِ في جهاتٍ وهوياتٍ لا تُشبعُ جائعًا، ولا تعالجُ مريضًا؟
يأتيك باحثٌ متعمقٌ في التاريخ، فيقول لك إن السلطانَ فلانًا أو الأميرَ الفُلْتَةَ كان يرتدي خِرْقةً اشتراها جدُّه من حيدر آباد، وإن الشيخَ "أبا زعطان" كان ملكًا متوَّجًا على مملكةٍ قوامُها ثلاثُ قرى أو أربعٌ في زمن المستعمر .
الناسُ لم يجدوا مرتباتٍ تسدُّ بها حاجاتهم اليومية، ولم يناموا كما ينامُ سائرُ خلقِ الله بسبب انقطاعاتِ الكهرباء التي تجاوزتْ كلَّ معقولٍ، في عزِّ حرِّ الصيفِ اللاهبِ، ثم تقرأُ منشورًا له جلبةٌ وطنينٌ، يتحدثُ صاحبُه بكلِّ سذاجةٍ ووقاحةٍ عن "جنوبٍ" لا علاقةَ له باليمنِ ولا باليمنيين.
وتزدادُ المصيبةُ وطأةً حين تعلمُ أن الأصواتَ الضاجةَ اليومَ في مسألةِ التأصيلِ والبحثِ عن الحمضِ النوويٍّ لإثباتِ الأصلِ والفصلِ، هم أنفسهم أبناءُ وأحفادُ أولئك الذين سادوا وحكموا، وحملوا بالأمسِ شعاراتٍ وحدويةً تقدميةً إنسانيةً .
فكيف استحالتْ تلك القناعاتُ الراسخةُ إلى نكرانٍ وتنكُّرٍ، وكأن التاريخَ لم يكنْ؟ إن المفارقةَ المحزنةَ أن أغلبَ المزايدينَ بجنوبيتهم، ستجدونهم أكثرَ الناسِ تحسسًا وهيجانًا من مفردةِ "الوحدة"، رغم أن أسماءَ أبنائهم تحملُ في طياتِها إرثَ اليمن؛ (صنعاء، وحدة، مأرب، غمدان، أزال، أوسان، سبأ، وغيرها).
لكأنَّ في رؤوسِهم سكنَ الشيطانُ، فما إن يسمعوا الحديثَ عن سلطةٍ شرعيةٍ، أو حكومةٍ يمنيةٍ، أو نشيدِ "رددي أيتها الدنيا نشيدي" – وهو بالأساس نشيدُ الدولةِ الجنوبيةِ – أو يشاهدوا علمَ اليمن، إلا وتشعرُ وكأنك أمامَ أناسٍ أصابهم مسٌّ شيطانيٌّ، أو هكذا يبدون .
وما هو أسوأُ وأدهى من كلِّ ما ذكرتُه، أنهم ينصبونَ أنفسَهم أوصياءَ على التاريخ، يختطفونه ويحرفونه كما يحلو لهم . يعدُّون أنفسَهم هم ثورةَ أكتوبر، وهم دولةَ الجنوب، وهم الثوار والثورة والقضيةَ والنضالَ، وهم الأوفياءَ المخلصين، وهم أيضًا السلاطينَ والأمراءَ والاستعمارَ .
لقد خطفوا نضالَ الأولين، والآن يُكررون ذاتَ الغايةِ النفعيةِ، فلا تستقيمُ الحياةُ إلا بهم، ولا حوارَ ولا نقاشَ ولا حكومةَ ولا شرعيةَ إلا بهم، وكأن الوطنَ مجردُ إقطاعيةٍ خاصةٍ بهم .
وتأملوا هذه العقليةَ الانتهازيةَ، فإذا ما تمَّ تعيينُ أحدِهم بقرارٍ من السلطةِ الشرعيةِ في منصبِ محافظٍ أو وزيرٍ أو سفيرٍ، عدُّوا ذلك مسألةً عاديةً وحقًّا شرعيًّا مُنَزَّلًا ينبغي أن ينالَونه . وفي المقابل، لا يقبلون أن يتبوَّأَ غيرُهم وظائفَ عاديةٍ، أو حتى أن يحصلوا على منحةٍ علاجيةٍ مستحقةٍ من الوزارةِ أو الحكومةِ، فهذه في قاموسِهم جريمةٌ لا تُغتفرُ، وخيانةٌ ما بعدَها خيانةٌ .
لقد رأيتُ من هذه الأصنافِ الكثيرَ، يلهثون خلفَ السلطةِ والشهرةِ بلا حياءٍ أو مؤهلاتٍ، فقط لأن جدَّهم أو أباهم أطلقَ رصاصةً أو "بازوكةً" في زمنٍ مضى، أو لأنهم ناضلوا وحضروا تظاهراتٍ، أو – وهذا هو الأدهى – لأنهم قتلوا أو قطعوا طريقًا، أو فجَّروا قنبلةً، أو نهبوا مركبةً عابرةً .
أما أغربُ ما في هؤلاء فهو أنهم لا يعلمون أنهم أحقرُ فئةٍ، وأجهَلُها، استبدتْ بالجنوبيينِ وشوَّهتْ قضيتَهم العادلةَ، ورهنتْ مصيرَها لشهوةِ النفعيةِ الشخصيةِ . وبدلًا من أن يُحاسبوا أو يتواروا خجلًا، ما فَتِئُوا يُكرِّرون ذاتَ الفشلِ بطرقٍ وأساليبَ لا حصرَ لها، كما أضحوا يُوزِّعون صكوكَ الوطنيةِ والخيانةِ وفقَ ما تمليه مصالحُهم، وتدخلُ جيوبُهم أو بطونُهم.
خلاصةُ الكلام.. لا صلةَ للجنوبِ الحرِّ العزيزِ بهم؛ فالجنوبيُّ الحرُّ العزيزُ كان ولا يزالُ نصيرًا للحقِّ أينما وُجِدَ . الجنوبيُّ الحرُّ نضالُه مدنيٌّ وراقٍ، وإذا فُرِضَ عليه حملُ السلاحِ، فإن غايتَه وطنٌ وعدالةٌ وحريةٌ وكرامةٌ ومواطنةٌ متساويةٌ.
الجنوبيون الأحرارُ هم أولئك الذين هبُّوا لنجدةِ ثورةِ سبتمبر، وهم الذين نصروا ثورةَ التغييرِ السلميةِ، وهم أولئك الذين نصروا ثوراتِ الشعوبِ أينما وُجِدتْ، فلم يُلَطِّخوا تاريخَهم بمداهنةِ الظلمِ، أو بالإساءةِ لثورةِ أكتوبر، أو بتشويهِ استقلالِ وطنِهم الناجزِ بتضحياتِ الشرفاءِ والمناضلينَ الحقيقيينَ.
فلنكن واضحين: الجنوبيُّ الحرُّ ليس من يختزلُ وطنًا بأكمله في لعبةِ مصالحَ ضيقةٍ، أو يحبسُه في قمقمِ تاريخٍ مشوَّهٍ . الجنوبيُّ الحرُّ هو من يعتزُّ ويفخرُ بانتمائِه لليمنِ الكبيرِ، رغم كلِّ الجراحِ، وهو الذي يناضلُ ويواجهُ الأزماتِ بعقليةٍ ناضجةٍ وروحٍ ثوريةٍ لا تنكسرُ .
نعم ، هو ذاك الذي لا يقايضُ هويتَه العميقةَ بهوياتٍ ضيقةٍ عابرةٍ، مُصَنَّعةٍ في معاملِ الانتهازيةِ السياسيةِ . وهو ذاك الإنسانُ الحالمُ بوطنٍ يسودُه العدلُ والمساواةُ والإخاءُ والوئامُ، وطنٍ لا يُقاسُ فيه الولاءُ بقاموسِ "الرصاصة" و"قاطراتِ نهبِ المالِ أو السلاحِ"، وإنما بحجمِ العطاءِ، ونقاءِ السريرة واليدِ، وصدقِ الانتماءِ .
في زمنٍ باتَ فيه الوطنُ يُجزَّأُ على موائدِ اللصوصِ، وتُباعُ فيه القضايا بثمنٍ بخسٍ، يظلُّ السؤالُ الجوهريُّ معلقًا كسيفِ الحقِّ: من له الحقُّ في التعبيرِ عن الجنوبِ شعبًا ودولةً وغايةً؟ .
أولئك القادةُ الذين يثرثرون به نهارًا وينهبونه ليلًا، ويحتمون بماضٍ زائفٍ لسرقةِ مستقبلٍ مسلوبٍ، أم تلك الملايينُ الحالمةُ بالتغييرِ والعدالةِ والاستقرارِ؟! حتمًا، التاريخُ سيُذكِّرُ الذين ناضلوا من أجلِ الناسِ، أما الذين ناضلوا من أجلِ المناصبِ والمكاسبِ الذاتيةِ والفئويةِ، فسيلفظُهم كما يلفظُ المحيطُ الجِيَفَ ..
محمد علي محسن