حين تُوضع حجارة المدارس، لا يُبنى الإسمنت وحده، بل يُبنى المستقبل.
وحين ترتفع جدران الفصول، فإنها لا تحتضن التلاميذ فحسب، بل تحتضن أحلام وطنٍ أنهكته الأزمات، وما زال يؤمن أن طريق الخلاص يبدأ من مقعدٍ دراسي، وكتابٍ مفتوح، ومعلمٍ يحمل رسالته بإخلاص.
ولهذالم يكن تدشين وزارة التربية والتعليم وضع حجر الأساس لثلاث عشرة مدرسة في محافظتي لحج والضالع مجرد مناسبة بروتوكولية تُلتقط فيها الصور وتُلقى فيها الكلمات، بل كان إعلانًا عمليًا بأن عجلة البناء لم تتوقف، وأن التعليم ما يزال يحتفظ بمكانته بوصفه المشروع الوطني الأسمى، مهما اشتدت العواصف، وتعاظمت التحديات.
وفي قلب هذه المسيرة يقف معالي وزير التربية والتعليم الأستاذ الدكتور عادل العبادي، يقود العمل التربوي بعقل الأكاديمي، وروح المربي، وهدوء رجل الدولة الذي يدرك أن الإصلاح الحقيقي لا يولد من الشعارات، وإنما من التخطيط، والمتابعة، والعمل المتواصل.
ولعل ما يمنح تجربته خصوصيتها أنه لم يأتِ إلى الوزارة عابرًا من حقولٍ أخرى، بل جاء إليها من بيتها الكبير.
فقد عرف التعليم رسالةً قبل أن يعرفه منصبًا، وعاش بين قاعات الدرس، وأروقة الجامعات، وأوساط الباحثين، حتى تبلورت لديه خبرة علمية وعملية جعلته أكثر قربًا من هموم المعلم، وأكثر فهمًا لاحتياجات الطالب، وأكثر إدراكًا لما تحتاجه المؤسسة التعليمية كي تستعيد عافيتها.
إن المؤسسات كثيرًا ما تزدهر حين يقودها من يعرف تفاصيلها، ويؤمن برسالتها، ويقرأ تحدياتها بعين الخبير لا بعين المتفرج.
وهذه ميزة تمنح صاحب القرار قدرةً أكبر على ترتيب الأولويات، وربط الحاضر بالمستقبل، وتحويل الأفكار إلى برامج، والبرامج إلى مشاريع، والمشاريع إلى واقع يلمسه الناس.
ولم تكن المرحلة التي تولى فيها معاليه مسؤولية الوزارة مرحلةً سهلة؛ فقد ورث قطاعًا مثقلًا بتراكمات سنواتٍ عصيبة، وبنيةً تحتيةً أنهكتها الظروف، واحتياجاتٍ تتسع كل يوم...
ومع ذلك فإن من ينظر إلى حركة الوزارة خلال الفترة الماضية يلحظ سعيًا إلى إعادة ترتيب البيت التربوي، وإحياء روح العمل المؤسسي، والانفتاح على الشراكات، والاهتمام بالبنية التعليمية، باعتبارها الأساس الذي تقوم عليه أي نهضة تعليمية مستدامة.
إن بناء مدرسة جديدة ليس رقمًا يُضاف إلى سجل الإنجازات، بل رسالة تُكتب على أرض الواقع تقول لكل طفل: لك مكان في هذا الوطن، ولك حق في التعلم، ولك مستقبل يستحق أن نصنعه معًا.
ولعل أجمل ما في القائد الناجح أنه لا يكتفي بإدارة الحاضر، بل ينظر إلى الغد.
ومن هنا تبدو الخطط التي تستهدف توسيع البيئة المدرسية، والارتقاء بجودة التعليم، وتعزيز العمل المؤسسي، خطواتٍ تسير في الاتجاه الصحيح، حتى وإن كانت الطريق لا تزال طويلة، وحتى وإن كانت التحديات أكبر من الإمكانات.
وليس من الإنصاف أن تُقاس جهود الرجال بما لم ينجزوه وحدهم، بينما تُغفل الظروف التي يعملون فيها، ولا حجم التحديات التي يواجهونها.
فالقيادة الحكيمة لا تصنع المعجزات بين ليلة وضحاها، لكنها تضع الأسس الصحيحة، وتغرس البذور، وتفتح الأبواب أمام المستقبل.
إن الوطن اليوم أحوج ما يكون إلى رجال يؤمنون بأن بناء الإنسان يسبق بناء العمران، وأن المدرسة هي المصنع الحقيقي للوعي، والحصن الأول للأخلاق، والمنبر الذي تُصنع فيه نهضة الأمم.
وإذا كانت الطرق والجسور تصل المدن بعضها ببعض، فإن المدارس تصل الحاضر بالمستقبل، وتربط الأجيال بتاريخها وهويتها وطموحاتها.
وما تدشين ثلاث عشرة مدرسة إلا لبنة جديدة في هذا المشروع الوطني الكبير....
مشروع إعادة الاعتبار للتعليم، وإعادة الثقة بالمؤسسة التربوية، وإعادة الأمل إلى نفوس آلاف الطلاب الذين ينتظرون مدرسة تليق بأحلامهم.
إن الأوطان لا تحفظ أسماء الرجال لأنهم شغلوا المناصب، وإنما لأنهم تركوا أثرًا باقياً في حياة الناس.
وأجمل الآثار تلك التي تُزرع في عقول الأطفال، وتثمر علمًا، ووعيًا، وانتماءً.
فكل مدرسة تُبنى اليوم قد تخرج غدًا طبيبًا يداوي، أو مهندسًا يعمّر، أو معلمًا يصنع الأجيال، أو قائدًا يحمل راية الوطن بإخلاص.
وهكذا تظل المدرسة... أعظم استثمار، ويظل التعليم... الطريق الأقصر إلى نهضة الشعوب، وتبقى كل يدٍ تمتد لتشييد مدرسة، أو دعم معلم، أو رعاية طالب، يدًا تسهم في كتابة فصلٍ جديد من تاريخ الوطن، عنوانه: بالعلم تُبنى الأمم، وبالتربية تُصان الأوطان.