تتداخل الضغوط الميدانية واللوجستية لتعيد رسم ملامح سلوك مليشيا الحوثي، حيث ينعكس انحسار قدراتها المباشرة في الميدان على شكل تحولات هجومية تطال العمق الاقتصادي والخدمي.
فلم يكن الاستهداف الصاروخي الواسع الذي طال ميناء المخا وما سبقه من قصف للمناطق المدنية في مأرب مجرد تكتيك عسكري عابر، بل يعبّر عن رد فعل متخبط إثر انتكاسات متتالية تلقتها المليشيا في جبهات جنوب الحديدة كالحيس والخوخة والتحيتا، وتكبّد تشكيلات بارزة مثل «لواء المندب» ضربات قاسية، إلى جانب انكسارات أخرى في الضالع.
يوازي هذا التراجع الميداني احتقان لوجستي أشد خطورة، أفرزه التشديد الأمني المحكم على شرايين التهريب الممتدة عبر شواطئ وصحاري المهرة وحضرموت وصولاً إلى مأرب والجوف، بالتوازي مع رقابة بحرية صارمة على امتداد الساحل الغربي للبحر الأحمر. هذا الخناق المشدد حرم الجماعة من مسارات حيوية كانت تعتمد عليها لنقل الأسلحة والمعدات النوعية واستقدام الخبراء العسكريين التابعين لإيران وحزب الله، فضلاً عن تعطيل خطوط نقل العناصر للتدريب، مما أربك حسابات المليشيا وعطل قدرتها على تعويض النزيف البشري والعسكري.
أمام هذا الانحصار المزدوج في الخيارات، اتجهت المليشيا نحو استراتيجية الهروب إلى الأمام من خلال نقل ميدان المواجهة من خطوط التماس المباشرة إلى ضرب الأعيان المدنية والبنى التحتية الحيوية.
ويظهر هذا التحول بوضوح في استهداف مرفق اقتصادي وإنساني بحجم ميناء المخا، حيث طال القصف مخازن الغذاء ومساكن الأطباء والعمال والأرصفة التجارية، متجاوزاً الذرائع العسكرية إلى محاولة إلحاق أضرار بالغة بحركة التجارة والإمدادات التي تعول عليها المنطقة. ولا ينفصل هذا السلوك الإجرامي عن الدور الذي تلعبه المليشيا كأداة ضمن المخطط الإيراني لإدارة الصراع بالوكالة؛
إذ تدفع طهران الجماعة نحو توسيع رقعة التصعيد واستنزاف الخصوم عبر تحركات هجومية استباقية تتوزع على عدة اتجاهات، تشمل تهديد خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وضرب الداخل اليمني، ومحاولة استهداف الأراضي السعودية.
إن استغلال الجماعة للسنوات الماضية التي اتسمت بمهادنة المجتمع الدولي والدعوات المستمرة لضبط النفس سمح لها بإعادة تنظيم صفوفها وتطوير ترسانتها بدلاً من الانخراط في حلول سياسية حقيقية.
وتكشف هذه التطورات المتسارعة أن خطورة المشروع الحوثي تجاوزت النزاع المحلي لتغدو تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي وحركة التجارة العالمية، مما يفرض ضرورة تجاوز السياسات التقليدية والدعوات الدبلوماسية العقيمة، والانتقال إلى خطوات دولية حاسمة تقتلع أسباب التصعيد وتكبح جماح هذا التهديد العابر للحدود.