حذّر الباحث السياسي اليمني صالح البيضاني من أن حالة الاحتقان المتصاعدة في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين قد تتحول إلى انفجار شعبي من الداخل، مرجحاً أن يتزامن أي تحرك عسكري للقوات الحكومية مستقبلاً مع انتفاضة شعبية ضد الجماعة.
ويرى البيضاني أن استخدام الحوثيين لملفات الحصار والرواتب والشعارات الإنسانية يأتي في إطار تغليف أجندتهم المرتبطة بإيران، مؤكداً في الوقت ذاته أن سكان المناطق الواقعة تحت سيطرة الجماعة يمكن أن يكون لهم دور حاسم في إنهاء الانقلاب الذي بدأ في سبتمبر (أيلول) 2014.
جاءت تصريحات البيضاني خلال حلقة جديدة من «الشرق الأوسط بودكاست»، تناول فيها جملة من التطورات المرتبطة بالمشهد اليمني، متطرقاً إلى العلاقة بين الحوثيين وإيران من الجوانب السياسية والعقائدية والعسكرية، فضلاً عن دور القبيلة وأهمية محافظة البيضاء التي ينتمي إليها.
وقال البيضاني، الذي ألَّف كتابين حول الأزمة اليمنية، إن التحركات الحوثية الأخيرة تقف خلفها ثلاثة دوافع رئيسية؛ يتمثل الأول في مساندة إيران عسكرياً وسياسياً وتحويل الجماعة إلى ورقة ضغط إضافية في يد طهران، فيما يرتبط الثاني بمحاولة الحوثيين فرض معادلة ردع في الداخل، بينما يتمثل الثالث في محاولة التعامل مع حالة الغضب الشعبي المتنامية بفعل التدهور الاقتصادي والجبايات والضرائب وتراجع مستوى المعيشة.
وأشار إلى أن انتشار شعار «أنا جاوع» في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون يعكس حجم الاحتقان الشعبي المتراكم، معتبراً أن مؤشرات الغضب هذه قد تقود إلى «انفجار سيأتي من الداخل».
وفي حديثه عن العلاقة مع إيران، رفض البيضاني التقليل من حجم الارتباط بين الحوثيين وطهران، وقال إن العلاقة بين الطرفين تجاوزت حدود التحالف السياسي أو التقاء المصالح، لتصبح، وفق وصفه، ارتباطاً آيديولوجياً وعسكرياً عميقاً.
واعتبر أن فترة وجود حسن إيرلو في صنعاء شكلت منعطفاً مهماً في طريقة إدارة مركز القرار الحوثي، موضحاً أن الدائرة المحدودة التي تتولى اتخاذ القرارات السياسية والعسكرية داخل الجماعة باتت أكثر ارتباطاً بـ«الحرس الثوري» الإيراني.
وتناول الباحث أيضاً الخلفية المذهبية للحوثيين، مميزاً بين الزيدية التقليدية التي عاشت تاريخياً في حالة تعايش مع المذهب الشافعي وبقية اليمنيين، وبين النسخة التي تتبناها الجماعة الحوثية، والتي وصفها بأنها أكثر تشدداً وأقرب إلى الجارودية. ويرى البيضاني أن القضية لم تعد مقتصرة على الاختلاف المذهبي، وإنما تجاوزته إلى تبني رؤية سلالية تجاه السلطة والمجتمع.
وفي ما يتعلق بالقبيلة، قال البيضاني إن الحوثيين ساهموا في إعادة تنشيط الروابط القبلية التي كانت قد تراجعت حدتها إلى حد ما خلال السنوات الماضية.
وعن التجمع القبلي في محافظة الجوف، وصف «مطارح الريان» بأنها وقفة ذات طابع رمزي أكثر من كونها تحركاً عسكرياً، لكنه في الوقت نفسه اعتبرها مؤشراً رمزياً على حجم الاحتقان الموجود في أوساط القبائل.
كما أفرد البيضاني جانباً من حديثه لمحافظة البيضاء، واصفاً إياها بأنها واحدة من أبرز العقد الجغرافية في اليمن، نظراً لموقعها في وسط البلاد واتصالها بثماني محافظات. وقال إن الحوثيين أدركوا هذه الأهمية في وقت مبكر، وهو ما جعل البيضاء من بين أولى المناطق التي توجهوا إليها عقب سيطرتهم على صنعاء.
وتحدث البيضاني كذلك عن «مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات» الذي أسسه، موضحاً أن المركز يركز على قراءة نقاط التحول في المشهد اليمني، بدلاً من الاكتفاء برصد الأحداث أو العودة إلى خلفياتها.
وكشف خلال حديثه عن عمله على كتاب ثالث، قال إنه سيكون «أعمق وأشمل» من كتابيه السابقين «وجوه في الحرب» و«باب الردى... قصة الحرب في اليمن»، دون أن يكشف عن عنوان الكتاب الجديد.
وفي ختام الحديث، أشار البيضاني إلى الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح، الذي قال إنه ظل حاضراً في جميع صفحات كتابه «وجوه في الحرب»، رغم عدم تخصيص فصل مستقل له، موضحاً أن سيرة صالح تداخلت مع غالبية الشخصيات والتحولات السياسية التي شهدها اليمن على مدى أكثر من ثلاثة عقود.