آخر الأخبار
انتقالي المحفد يدعو للمشاركة في مليونية 55 لتأسيس الجيش الجنوبي بعدن ويؤكد الوفاء للزُبيدي واستعادة الدولة   •   غزة.. آلاف المفقودين الفلسطينيين   •   "ناشيونال إنترست": الجيش الأمريكي بات أضعف وثغراته تتكشف بسبب النزاع مع إيران   •   شطب طبيب في أستراليا بعد 16 مخالفة ووفاة مريض   •   سلام عشية ذكرى تغييب الإمام الصدر: الجنوب لن يُترك وحده وأهله لن يكونوا من يدفع ثمن صراعات الآخرين   •   وزارة الكهرباء تقيم ورشة فنية لتقييم الشبكات الكهربائية المصغرة في المناطق الريفية المستهدفة   •   في الذكرى 55 لتأسيس الجيش الجنوبي - المجد يتجدد   •   رئيس الوزراء يتابع تدشين العام الدراسي الجديد ويطلع على نتائج تصحيح الملابسات التي رافقت اعلان نتائج الثانوية   •   استعادة الدولة لم تعد خيارا يمنيا بل معركة إقليمية لحماية الأمن والاستقرار   •   البث الإسرائيلية: أمريكا رفضت طلب ولي العهد السعودي بقيادة حملة ضد الحوثي   •  
أخبار محلية

اليمن والسعودية: مستقبل العلاقة الاستراتيجية

عدن الغد- محليات 30/08/2026 18:26 276 مشاهدة
اليمن والسعودية: مستقبل العلاقة الاستراتيجية

لم تعد العلاقات بين الدول المتجاورة في النظام الإقليمي المعاصر تُقاس فقط بمدى قربها الجغرافي أو بحدودها السياسية، وإنما باتت تتشكل بصورة متزايدة وفق طبيعة المصالح المتبادلة، ومستوى الاعتماد الاقتصادي، وترابط المصالح الأمنية، وقدرة كل طرف على التأثير في البيئة المحيطة به. وفي منطقة شديدة الحساسية مثل شبه الجزيرة العربية، حيث تتداخل اعتبارات الجغرافيا مع الأمن والطاقة والتجارة والممرات البحرية والتحولات السياسية، يمكن للعلاقات بين الدول أن تتجاوز الصيغ التقليدية للجوار، فتنتقل من مجرد التعايش على جانبي الحدود إلى مستويات أعمق من التنسيق والتعاون والتكامل وإعادة ترتيب المصالح.

وقد أظهرت التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة أن الحدود السياسية، على الرغم من ثباتها من الناحية القانونية، لا تحول بالضرورة دون نشوء مجالات واسعة من الترابط بين الدول. فقد تتشابك المصالح الأمنية، وتزداد درجة الاعتماد المتبادل بين الأسواق، وتتجاوز شبكات التجارة والطاقة والنقل الحدود الوطنية، فيما تفرض الجغرافيا على الدول المتجاورة أن تنظر إلى استقرار بعضها بعضًا باعتباره جزءًا من أمنها ومصالحها بعيدة المدى. ومن ثم، فإن مستقبل العلاقات في شبه الجزيرة العربية لا يرتبط فقط بالحفاظ على الأوضاع السياسية القائمة، وإنما يتصل أيضًا بالكيفية التي يمكن أن تتطور بها أنماط التعاون والتكامل والتأثير في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وفي هذا السياق، تبرز العلاقة بين اليمن والمملكة العربية السعودية بوصفها حالة ذات خصوصية استراتيجية؛ فبين البلدين تاريخ طويل من التفاعل السياسي والجغرافي، وحدود مشتركة، وتشابك في المصالح الأمنية والاقتصادية، فضلًا عن الموقع البحري لليمن وأهميته في معادلات البحر الأحمر وباب المندب وبحر العرب. ومع تغير البيئة الإقليمية وتبدل موازين القوى خلال العقود الأخيرة، يصبح من المشروع التساؤل عن المسار الذي يمكن أن تتخذه هذه العلاقة مستقبلًا، وعن المدى الذي يمكن أن يبلغه التقارب بين البلدين في ظل احتفاظ كل منهما بكيانه السياسي والقانوني.

ومن هنا يبرز التساؤل حول إمكانية اتحاد اليمن مع المملكة العربية السعودية في نهاية المطاف. وقد يبدو هذا الاحتمال، للوهلة الأولى، بعيدًا عن معطيات السياسة الراهنة، وربما أقرب إلى سيناريو جيوسياسي افتراضي منه إلى احتمال يمكن إخضاعه للتحليل العلمي. غير أن استحضار التاريخ السياسي للجزيرة العربية، وتتبع مسار العلاقات السعودية اليمنية، وقراءة التحولات التي شهدتها المنطقة خلال القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، تتيح تناول هذا الاحتمال من منظور استشرافي أكثر اتزانًا. والمقصود هنا ليس افتراض وجود مشروع سعودي قائم لإعادة تشكيل الوضع السياسي لليمن، إذ لا تتوافر أدلة موثوقة تثبت ذلك، وإنما اختبار مدى إمكانية تطور العلاقة بين دولتين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح الأمنية والاقتصادية والبحرية، مع بقاء كل منهما دولة ذات سيادة في إطار النظام الدولي القائم.

وعليه، فإن تقييم مستقبل العلاقة السعودية اليمنية يقتضي النظر إليها بوصفها مسارًا متدرجًا يمكن أن تتداخل فيه مستويات متعددة من التعاون والتأثير والاعتماد المتبادل، من دون أن يؤدي بلوغ مستوى متقدم من الترابط بالضرورة إلى انتقال العلاقة نحو صيغة سياسية جديدة. فالعلاقات الدولية لا تتحرك دائمًا ضمن ثنائية الاستقلال الكامل أو الوحدة السياسية، وإنما يمكن أن تتخذ بينهما صورًا متعددة من الشراكة والتنسيق والتكامل، تختلف في درجة عمقها وأدواتها وآثارها الاستراتيجية. ومن ثم، فإن تحديد الاتجاه المحتمل للعلاقة السعودية اليمنية يستلزم تتبع العوامل القادرة على دفعها نحو مزيد من الترابط، وفي مقدمتها الجغرافيا والأمن والاقتصاد والمصالح البحرية، إلى جانب التطورات الداخلية في اليمن والتحولات التي يشهدها النظامان الإقليمي والدولي.

وبهذا المنظور، لا تتمثل المسألة في البحث عن نتيجة سياسية محسومة سلفًا، وإنما في اختبار مجموعة من المسارات المحتملة التي قد تتخذها العلاقة خلال العقود المقبلة. فقد يظل التعاون في حدود الشراكة التقليدية، وقد يتطور إلى مستوى أعمق من التكامل الاقتصادي والأمني، أو ينشأ إطار مؤسسي أكثر اتساعًا لتنظيم المصالح المشتركة، بينما يظل الانتقال إلى اتحاد سياسي كامل احتمالًا مشروطًا بتحولات استثنائية في البيئة الداخلية والإقليمية والدولية. ومن ثم، فإن قيمة التحليل لا تكمن في التنبؤ القطعي بالمستقبل، وإنما في تحديد الشروط والعوامل التي يمكن أن تجعل مسارًا معينًا أكثر ترجيحًا من غيره.

ومن هذه الزاوية، تصبح دراسة مستقبل العلاقة بين اليمن والسعودية دراسة في تطور طبيعة الروابط بين دولتين متجاورتين بقدر ما هي دراسة في مستقبل الحدود السياسية. فكلما اتسعت المصالح المشتركة وتزايد الاعتماد المتبادل في المجالات الأمنية والاقتصادية وقطاعات الطاقة والنقل والتجارة، تعززت الأهمية الاستراتيجية للعلاقات، وازدادت فرص تشكل فضاء جيوسياسي مشترك، حتى مع استمرار الأطر القانونية والسياسية التي تحكم وضع كل دولة. وعلى هذا الأساس، ستتناول القراءة التالية تطور العلاقة تاريخيًا، وتحليل الجغرافيا السياسية للبلدين، وفحص الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والبحرية، ودراسة مواقف القوى الإقليمية والدولية، وصولًا إلى تقدير السيناريوهات الممكنة لمستقبل العلاقة، ومدى واقعية انتقالها من مجرد الجوار والتعاون إلى مستويات أعمق من الاندماج السياسي والاستراتيجي.

الجغرافيا بوصفها نقطة الانطلاق

وفي مقدمة العوامل التي ينبغي البدء بها لفهم مستقبل العلاقة السعودية اليمنية تأتي الجغرافيا، التي تمنح اليمن موقعًا استراتيجيًا يتجاوز بكثير إمكاناته الاقتصادية والعسكرية. فاليمن يشغل الطرف الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة العربية، ويمتد على سواحل البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، ويشرف على مضيق باب المندب من جانبه الشرقي. ويمنح هذا الموقع اليمن أهمية خاصة في حسابات أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية، إذ يمثل المضيق حلقة وصل بحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، بما يجعل أمن السواحل والمياه الإقليمية اليمنية جزءًا من معادلة أوسع تتجاوز حدود الدولة نفسها.

وفي الاتجاه الشمالي، تمتد الحدود السعودية اليمنية، الأمر الذي يجعل التطورات السياسية والأمنية في اليمن ذات انعكاسات مباشرة على الأمن القومي للمملكة. ولذلك لا يمثل اليمن بالنسبة إلى السعودية مجرد دولة مجاورة، بل يشكل عمقًا جغرافيًا وأمنيًا وبحريًا بالغ الحساسية، في حين تمثل السعودية بالنسبة إلى اليمن الجار الأكبر الذي يمتلك قدرات مالية واقتصادية وسياسية وعسكرية تفوق بدرجة كبيرة ما يمتلكه اليمن. وقد جعل هذا التفاوت في الإمكانات العلاقة بين البلدين، عبر مراحلها التاريخية المختلفة، محكومة بدرجة واضحة من عدم التكافؤ في موازين القوة، وإن كان الموقع الجغرافي والاستراتيجي لليمن يمنحه في المقابل أهمية إقليمية ودولية تفوق بكثير وزنه الاقتصادي والعسكري.

غير أن الأهمية الجيوسياسية التي يكتسبها اليمن بحكم موقعه لا تعني بالضرورة أن تعظيم المصالح السعودية يمر عبر تغيير وضعه السياسي. فمن منظور استراتيجي، قد يكون وجود يمن مستقر ومستقل، ومتوافق في توجهاته الأساسية مع محيطه الخليجي، ومرتبط اقتصاديًا بالمملكة، أكثر فائدة للرياض من تحمل الأعباء المباشرة المترتبة على إدارة دولة كبيرة ومعقدة ومتعددة مراكز القوة. فالقوة الإقليمية لا تُقاس بالسيطرة المباشرة على المجال الجغرافي فحسب، وإنما كذلك بالقدرة على تأمين المصالح الحيوية من خلال أدوات أكثر مرونة وأقل كلفة، تشمل الشراكات السياسية والاقتصادية، والاستثمارات طويلة الأجل، والترتيبات الأمنية، والنفوذ الدبلوماسي، وبناء شبكات الاعتماد المتبادل.

الحدود والتاريخ والقانون الدولي

ومن هنا تكتسب قراءة التاريخ السعودي اليمني أهمية خاصة، لا بوصفه مجرد امتداد لخلافات حدودية متعاقبة، وإنما باعتباره جزءًا من التحول الأوسع الذي شهدته الجزيرة العربية من فضاءات نفوذ ومجالات جغرافية متداخلة إلى نظام إقليمي يقوم على دول ذات أطر سياسية وقانونية محددة. فقد كانت الروابط القبلية والتجارية والسياسية والدينية تتجاوز في كثير من الأحيان الحدود التي نعرفها بصورتها الحديثة، بينما أخذ مفهوم السيادة الإقليمية يكتسب أهمية أكبر مع تشكل الدولة الحديثة وتطور النظام الدولي.

وكانت العلاقة بين المملكة المتوكلية اليمنية والمملكة العربية السعودية في ثلاثينيات القرن العشرين إحدى المحطات المهمة في هذا المسار، ولا سيما الحرب التي انتهت بمعاهدة الطائف عام 1934. وقد شكلت المعاهدة إطارًا مهمًا للعلاقات بين البلدين، إلا أن المسألة الحدودية ظلت حاضرة في العلاقات الثنائية خلال العقود التالية. ثم جاء التحول الحاسم في نهاية القرن العشرين عندما اتجهت الرياض وصنعاء إلى تسوية الملف الحدودي من خلال معاهدة جدة الموقعة في 12 يونيو 2000، والتي سجلتها الأمم المتحدة تحت عنوان «معاهدة الحدود الدولية بين الجمهورية اليمنية والمملكة العربية السعودية»، ودخلت حيز النفاذ في 4 يوليو 2000.[3]

وتكتسب معاهدة جدة أهمية خاصة عند دراسة مستقبل العلاقة بين البلدين؛ لأنها أرست إطارًا تعاقديًا محددًا للعلاقة الحدودية، وسجلتها الأمم المتحدة باعتبارها معاهدة ثنائية بشأن الحدود الدولية بين البلدين.[3] ومن ثم، فإن الانتقال مستقبلًا من دولتين مستقلتين تربطهما حدود دولية إلى صيغة سياسية أكثر عمقًا لن يكون امتدادًا تلقائيًا للتاريخ المشترك أو للجوار الجغرافي، بل سيستلزم تحولًا سياسيًا وقانونيًا جديدًا يقوم على ترتيبات واضحة ومقبولة من الطرفين.

وهنا يبرز القانون الدولي باعتباره أحد القيود الأساسية التي ينبغي أن تحكم أي تصور مستقبلي. فميثاق الأمم المتحدة يضع مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، ويحظر في المادة 2، الفقرة 4، التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة.[1] كما أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول، مبادئ السيادة والسلامة الإقليمية وعدم استخدام القوة لتغيير الوضع الإقليمي للدول.[2]

وبناءً على ذلك، فإن أي تغيير قسري في الوضع السيادي أو الإقليمي لليمن سيصطدم بالإطار القانوني الدولي المعاصر. أما إذا طُرح مستقبلًا شكل من أشكال الاتحاد أو الاندماج السياسي بين البلدين، فإن المسألة ستختلف جذريًا؛ إذ لن تكون متعلقة بإعادة رسم الحدود بالقوة، وإنما بإرادة سياسية وقانونية متبادلة، وبموافقة الأطراف المعنية، وبترتيبات دستورية ومؤسسية تحدد طبيعة الكيان الجديد، وتوزيع السلطات، ووضع المواطنة، وإدارة الموارد، وآليات التمثيل السياسي.

ومن هنا ينتقل النقاش من سؤال القوة والسيادة إلى سؤال الإرادة والقبول. فقيام أي اتحاد سياسي مستقبلي لن يتوقف على رغبة الحكومة السعودية أو القوى السياسية اليمنية وحدها، وإنما سيتطلب، بحسب الصيغة التي قد تُطرح، درجة عالية من التوافق السياسي والمجتمعي، إلى جانب بيئة إقليمية ودولية تسمح بقيام ترتيب جديد ومستقر.

الاتحاد ليس تغييرًا قسريًا للحدود

في ضوء هذا الإطار القانوني، يصبح من الضروري التمييز بين الصيغ المختلفة التي يمكن أن تتخذها العلاقة بين دولتين مستقلتين إذا بلغت درجة متقدمة من التقارب. فالانتقال القسري للسيادة يختلف في طبيعته وآثاره عن اتحاد يتم باتفاق سياسي وقانوني؛ إذ يمكن للاتحادات السياسية أن تتخذ صيغًا دستورية متعددة، وفقًا للترتيبات التي تتفق عليها الأطراف المعنية. ولذلك فإن افتراض وصول العلاقات السعودية اليمنية مستقبلًا إلى مستوى مرتفع من الاندماج لا يعني بالضرورة اختفاء الجمهورية اليمنية من الخريطة السياسية، وإنما قد يفضي، إذا توافرت إرادة سياسية متبادلة، إلى صيغة جديدة لتنظيم المصالح المشتركة مع الإبقاء على قدر من الاستقلال المؤسسي والسياسي.

ويقدم التاريخ الدولي أمثلة توضح أن التحولات السياسية الكبرى في وضع الدول والأقاليم يمكن أن تتم من خلال مسارات تفاوضية وقانونية، وليس بالضرورة عبر القوة العسكرية. وتعد إعادة توحيد ألمانيا عام 1990 مثالًا بارزًا؛ فقد أُبرمت «معاهدة تحقيق وحدة ألمانيا» في 31 أغسطس 1990، ونظمت الإطار القانوني والسياسي للوحدة الألمانية.[4] ومع ذلك، ينبغي التعامل مع المثال الألماني بحذر منهجي، لأن الظروف التاريخية والجيوسياسية والقانونية التي أحاطت بإعادة توحيد ألمانيا تختلف بصورة جوهرية عن البيئة التي تحكم العلاقات بين اليمن والسعودية.

ومن ناحية أخرى، فإن احتمال انتقال اليمن مستقبلًا إلى صيغة سياسية تلغي استقلاله الكامل يواجه تعقيدات داخلية لا تقل أهمية عن القيود القانونية الدولية. فاليمن ليس مجرد إقليم جغرافي يمكن إعادة تنظيم وضعه من الخارج، وإنما مجتمع ذو تاريخ سياسي طويل، وتكوين اجتماعي متنوع، وهويات ومصالح محلية ومناطقية متداخلة، وتجربة متراكمة مع أشكال مختلفة من الدولة والسلطة. وقد شهد القرن العشرون تحولات عميقة انتقل خلالها اليمن من نظام الإمامة في الشمال إلى الجمهورية، ومن قيام دولة جنوب اليمن المستقلة إلى الوحدة اليمنية عام 1990، ثم الحرب الأهلية عام 1994، وصولًا إلى سلسلة من الأزمات السياسية والأمنية التي انتهت إلى الحرب التي اندلعت منذ عام 2014.[5]

وتكشف تجربة الوحدة اليمنية على وجه الخصوص عن صعوبة الانتقال من التقارب السياسي إلى بناء دولة موحدة ومستقرة. فقد قامت الوحدة في مايو 1990 على أساس اتفاق سياسي بين الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، إلا أن قيام الدولة الموحدة لم ينهِ التباينات المتعلقة بتوزيع السلطة والثروة ومؤسسات الدولة والقوة العسكرية، وانتهت التوترات المتراكمة إلى الحرب الأهلية عام 1994. ولا تكمن أهمية هذه التجربة في مقارنتها بصورة مباشرة بأي اتحاد محتمل بين اليمن والسعودية، وإنما في الدرس الذي تقدمه بشأن تعقيد عمليات إعادة بناء الدولة.

الحرب اليمنية والعامل الإقليمي

ولا يمكن فهم تطور العلاقة السعودية اليمنية بصورة كاملة من دون العودة إلى الحرب التي اندلعت عقب ثورة 1962، إذ كشفت تلك الحرب منذ وقت مبكر عن قابلية القضية اليمنية للتحول إلى ساحة تتقاطع فيها الحسابات المحلية مع المنافسة الإقليمية والدولية. فقد تحولت الحرب الأهلية إلى صراع ذي أبعاد إقليمية ودولية خلال ستينيات القرن العشرين، مع التدخل العسكري المصري إلى جانب الجمهوريين، والدعم السعودي للقوى الملكية، في سياق التنافس الأوسع الذي أحاط بالمنطقة خلال مرحلة الحرب الباردة.

وقد بلغ الحضور الدولي في الأزمة حد إنشاء بعثة الأمم المتحدة للمراقبة في اليمن عام 1963، استنادًا إلى قرار مجلس الأمن رقم 179 الصادر في 11 يونيو 1963.[6] وتوضح وثائق الأمم المتحدة أن بعثة UNYOM أُنشئت لمراقبة تنفيذ ترتيبات فض الاشتباك بين السعودية والجمهورية العربية المتحدة.[6]

ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة لأنه يوضح أن اليمن لم يكن تاريخيًا قضية منفصلة عن التوازنات الإقليمية والدولية المحيطة به. وقد تناول آشر أوركابي الحرب اليمنية في كتابه Beyond the Arab Cold War: The International History of the Yemen Civil War, 1962–68، مبرزًا الطبيعة الدولية للصراع وتشابكه مع تنافسات الحرب الباردة.[7]

الاقتصاد والتكامل الوظيفي

ومن هذه الخلفية التاريخية ينتقل التحليل بصورة طبيعية إلى العامل الاقتصادي، الذي يمكن أن يصبح أحد أكثر المسارات تأثيرًا في تشكيل مستقبل العلاقة بين البلدين. فالفوارق الكبيرة في الإمكانات الاقتصادية لا تعني بالضرورة أن العلاقة محكومة بالتبعية، إذ يمكن، في ظروف سياسية ومؤسسية مستقرة، أن تتحول إلى أساس لتكامل اقتصادي يستفيد فيه كل طرف من عناصر القوة التي يمتلكها.

فالسعودية تمتلك سوقًا واسعة وقدرات مالية واستثمارية وبنية تحتية متقدمة وقدرة كبيرة على تمويل المشروعات الاستراتيجية، بينما يمتلك اليمن موقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية، وسواحل ممتدة، وموارد طبيعية وإمكانات في قطاعات الزراعة والثروة السمكية والطاقة، فضلًا عن قاعدة سكانية وموارد بشرية يمكن أن تشكل عنصرًا مهمًا في أي عملية تنموية مستقبلية.

وعلى هذا الأساس، قد يكون التكامل الاقتصادي أحد أكثر المسارات قابلية للتطور في العلاقة السعودية اليمنية خلال العقود المقبلة. فإذا نجح البلدان في بناء شبكة واسعة من المصالح المتبادلة في التجارة والاستثمار والنقل والطاقة والموانئ والخدمات اللوجستية والمناطق الاقتصادية، فإن الاعتماد المتبادل يمكن أن يتحول تدريجيًا إلى عامل استقرار استراتيجي.

وتتضح أهمية هذا البعد في ضوء «رؤية السعودية 2030» وبرامجها المرتبطة بتنويع الاقتصاد والاستثمار والصناعة والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد. ويظهر البرنامج الوطني للتنمية الصناعية والخدمات اللوجستية أن تطوير الصناعة والخدمات اللوجستية يمثل أحد المسارات الرئيسية في التحول الاقتصادي السعودي.[8]

ومن ثم، فإن قيام يمن مستقر وقادر على تأمين أراضيه وموانئه وممراته البحرية يمكن أن يمثل للمملكة مصلحة استراتيجية تجمع بين الأمن والاقتصاد والتنمية. وكلما تحولت العلاقة من إدارة الأزمات إلى بناء المصالح طويلة الأجل، أصبح من الممكن أن ينشأ نمط من الترابط يجعل استقرار اليمن جزءًا من الحسابات الاستراتيجية السعودية، ويجعل في المقابل استمرار العلاقات الاقتصادية والأمنية مع المملكة عنصرًا مهمًا في استقرار اليمن وتنميته.

الأمن والبحر الأحمر

وإذا انتقلنا من الاقتصاد إلى الأمن، فإن المشهد يصبح أكثر تعقيدًا؛ فقد تحول اليمن خلال العقد الأخير إلى إحدى أبرز ساحات التنافس الإقليمي، ولا سيما في سياق التوتر السعودي الإيراني. ومع التحولات السياسية والعسكرية العميقة التي شهدتها البلاد، ثم اندلاع الحرب وتدخل التحالف بقيادة السعودية عام 2015، أصبح اليمن جزءًا محوريًا من معادلة الأمن الإقليمي. وقد شكّل قرار مجلس الأمن رقم 2216 الصادر في 14 أبريل 2015 أحد الأطر الدولية الأساسية للتعامل مع الأزمة اليمنية.[9]

كما أضافت التطورات المتعلقة بأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية بعدًا جديدًا إلى المسألة اليمنية، إذ أصبح استقرار الساحل الغربي وباب المندب مرتبطًا بمصالح إقليمية ودولية أوسع. وقد تناولت تحليلات حديثة تطورات البحر الأحمر في سياق الهجمات على الملاحة والتدخلات العسكرية الدولية، مؤكدةً أن الاضطرابات المرتبطة باليمن يمكن أن تمتد آثارها إلى التجارة والملاحة الدولية.[10]

وفي هذه البيئة، قد تجد السعودية أن وجود دولة يمنية مستقرة وقادرة على ضبط أراضيها أكثر فائدة من السيطرة المباشرة عليها. فالدولة المستقرة والصديقة يمكن أن توفر بيئة أمنية أكثر استدامة من بيئة مضطربة تتعدد فيها مراكز القوة. وهذه ليست نتيجة حتمية، لكنها فرضية استراتيجية أكثر قابلية للاختبار من افتراض أن امتلاك الأرض هو الطريق الوحيد إلى تحقيق الأمن.

ومن هنا يمكن فهم المصلحة السعودية في وجود دولة يمنية قوية مؤسسيًا، لكنها غير معادية للمملكة. فاليمن الضعيف قد يتيح للجماعات المسلحة والقوى الخارجية العمل داخل أراضيه، بينما يستطيع اليمن المستقر والمؤسساتي بصورة أفضل حماية حدوده وضبط أراضيه وتأمين موانئه وممراته البحرية.

غير أن تحقيق هذا الهدف يصطدم بمشكلة تعدد مراكز القوة داخل اليمن. فقد أدت سنوات الصراع إلى نشوء بنية أمنية وسياسية شديدة التعقيد، تتداخل فيها المؤسسات الرسمية مع قوى محلية ومناطقية وعسكرية متعددة.[11] وتصف الأدبيات المتخصصة هذه الحالة بأنها نمط من «الأمن الهجين» تتعايش فيه مؤسسات رسمية وقوى مسلحة محلية ومراكز نفوذ متنافسة.[11]

حضرموت والمهرة

وفي هذا السياق تبرز حضرموت والمهرة باعتبارهما منطقتين شديدتي الأهمية في أي تصور للمستقبل. فحضرموت، بمساحتها الواسعة وساحلها على بحر العرب ومواردها الطبيعية، تمثل مساحة جغرافية واقتصادية ذات أهمية استراتيجية، بينما تمثل المهرة نقطة اتصال حساسة بين اليمن وعُمان والبحر العربي.

وقد تناول إبراهيم جلال في دراسة منشورة عن مركز كارنيغي التباينات السعودية الإماراتية في حضرموت، موضحًا وجود اختلاف في مجالات النفوذ والأولويات بين الرياض وأبوظبي، مع امتداد النفوذ السعودي بدرجة أكبر في الوادي والمناطق الداخلية، والحضور الإماراتي بصورة أكبر في الساحل.[12] كما أشار إلى أن حضرموت ترتبط بالحسابات السعودية المتعلقة بالأمن الحدودي والوصول إلى بحر العرب وتنويع مسارات التجارة والطاقة.[12]

أما المهرة، فقد تناول جلال تطوراتها في دراسة مستقلة نُشرت في مارس 2025، موضحًا أن انتشار قوات درع الوطن المدعومة سعوديًا في المحافظة أعاد إلى الواجهة التنافس السعودي العماني وتباين المواقف المحلية تجاه أدوار القوى الخارجية.[13]

ومع ذلك، سيكون من الخطأ المنهجي تفسير الاهتمام السعودي بهذه المناطق بوصفه دليلًا تلقائيًا على مشروع لتغيير وضعها السيادي. فالتفسير الاستراتيجي البديل هو أن السعودية تسعى إلى ضمان ألا تتحول المناطق الشرقية من اليمن إلى مصدر تهديد أو إلى مجال نفوذ لقوى منافسة، وفي الوقت نفسه إلى حماية مصالحها الجغرافية والأمنية والاقتصادية.

ومن هنا يمكن أن يتحول شرق اليمن إلى منطقة للتكامل بدل أن يكون منطقة للصراع. فإذا تطورت البنية التحتية والطرق والموانئ والطاقة والتجارة بين السعودية وحضرموت والمهرة، فقد يصبح الاقتصاد عاملًا في تحقيق الاستقرار بدل أن يكون مجرد انعكاس له.

القوى الإقليمية

أما الإمارات، فتظل طرفًا مهمًا في معادلة المستقبل اليمني، ولا سيما في جنوب البلاد وعدد من المناطق الساحلية، حيث طورت أبوظبي حضورًا يرتبط بمصالح سياسية وأمنية واقتصادية. وقد تعزز هذا الحضور من خلال دعم وتطوير علاقات مع عدد من القوى المحلية، بما جعل الإمارات طرفًا مؤثرًا في موازين القوى في الجنوب والساحل الغربي.[14]

وفي الوقت نفسه، تتقاطع بعض المصالح السعودية والإماراتية في اليمن، مع وجود تباين في الأولويات والمقاربات تجاه بعض الملفات. وتوضح دراسة Peter Salisbury عن جنوب اليمن أن الدور الإماراتي تطور بصورة ملحوظة من خلال دعم وتدريب قوى محلية، وأن المقاربة الإماراتية في بعض العمليات تمايزت عن المقاربة السعودية.[14] ولا يعني ذلك بالضرورة تعارض المصالح بين البلدين في جميع الملفات، وإنما يعكس اختلافًا في الأدوات والأولويات ومصادر النفوذ.

ومن ثم، فإن أي سياسة سعودية طويلة الأجل تجاه اليمن ستحتاج إلى مراعاة هذا الواقع وإدارة العلاقة مع أبوظبي بما يدعم الاستقرار ويحد من احتمالات تحول التباينات الإقليمية إلى مصدر إضافي للتوتر داخل اليمن.

وتزداد أهمية هذا العامل في الجنوب، حيث تتداخل قضية الدولة اليمنية الموحدة مع القضية الجنوبية ومطالب الاستقلال أو الحكم الذاتي أو الفيدرالية. وبالتالي فإن مستقبل اليمن لن تحدده السعودية وحدها، كما لن تحدده القوى اليمنية وحدها، وإنما سيتشكل نتيجة تفاعل مستويات داخلية وإقليمية ودولية متعددة.

وتأتي سلطنة عُمان في موقع مختلف. فمسقط تمتلك علاقات تاريخية وجغرافية مع شرق اليمن، ولا سيما المهرة، كما احتفظت بدور الوسيط في الملف اليمني. ولهذا فإن أي تغيير جذري في البنية السياسية أو الجغرافية لشرق اليمن سيحتاج إلى أخذ المصالح العمانية في الاعتبار.

أما إيران، فتمثل عاملًا أساسيًا في الحسابات الأمنية السعودية. فطالما بقي اليمن ساحة للتنافس السعودي الإيراني، ستظل الرياض ترى في مستقبل اليمن جزءًا من أمنها القومي. لكن هذه الحقيقة لا تقود حتميًا إلى تغيير وضع اليمن السياسي. فإذا تحولت العلاقات السعودية الإيرانية إلى مسار أكثر استقرارًا، فقد يتراجع جزء من الدافع الأمني وراء التعامل مع اليمن باعتباره ساحة مواجهة مباشرة، ويزداد التركيز على الاستقرار وإعادة الإعمار والتنمية.

السيادة والنفوذ

ومن ثم فإن أي قراءة للنفوذ السعودي في اليمن يجب ألا تخلط بين النفوذ السياسي والسيادة القانونية. فقد تكون دولة ما صاحبة نفوذ واسع في دولة أخرى، وتمتلك قدرة مؤثرة على القرار السياسي أو الاقتصادي أو الأمني، دون أن تكون قد أصبحت صاحبة السيادة على أراضيها. وهذا التمييز مهم بصورة خاصة عند قراءة التطورات في حضرموت والمهرة.

وفي هذا السياق يمكن الاستفادة من بعض التحليلات الحديثة التي تناولت تصاعد الدور السعودي في جنوب اليمن بوصفه تغيرًا في مركز الثقل السياسي باتجاه الرياض. ومن بين ذلك تحليل Fatima Abo Alasrar المنشور في Stimson Center في يناير 2026، والذي وصف انتقال مركز اتخاذ القرار في الملف الجنوبي بدرجة أكبر نحو الرياض.[15] غير أن مثل هذه الأوصاف تظل أوصافًا تحليلية لموازين النفوذ والتأثير، ولا ينبغي تحويلها إلى دليل قانوني على انتقال السيادة.

كما أن تحليل Chatham House لعام 2025 يضع السياسة السعودية تجاه اليمن ضمن سياق أوسع يرتبط بسعي الرياض إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي وإدارة بيئة دولية وإقليمية أكثر تعددًا في مراكز القوة.[16] ويُستفاد من هذا المصدر في فهم موقع اليمن داخل الحسابات الاستراتيجية السعودية، لا باعتباره دليلًا على تغير الوضع القانوني للدولة اليمنية.

وتؤكد قرارات مجلس الأمن والوثائق الأممية ذات الصلة استمرار التعامل الدولي مع اليمن باعتباره دولة ذات سيادة، مع التأكيد على وحدته واستقلاله وسلامة أراضيه ودعم المسار السياسي.[17] فالتأثير السياسي، مهما بلغ، لا يساوي قانونًا انتقال السيادة.

أما على المستوى الدولي، فإن أي مشروع لتغيير الوضع السيادي لليمن سيواجه بيئة مختلفة تمامًا عن بيئة العلاقات الإقليمية في القرون السابقة. فالقانون الدولي المعاصر يقوم على مبادئ سيادة الدول وعدم استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي.[1][2]

وقد أظهرت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري بشأن كوسوفو عام 2010، أن المسألة القانونية المتعلقة بإعلان الاستقلال أكثر تعقيدًا من اختزالها في قاعدة عامة تسمح بالانفصال أو تمنعه بصورة مطلقة. فقد خلصت المحكمة إلى أن إعلان استقلال كوسوفو في حد ذاته لم ينتهك القانون الدولي، لكنها شددت على نطاق السؤال المحدد المعروض عليها، ولم تقرر وجود حق عام تلقائي في الانفصال أو في تغيير الحدود الدولية.[18] ولذلك فإن الاستناد إلى رأي كوسوفو في الحالة اليمنية يجب أن يكون محدودًا ودقيقًا، وألا يُستخدم لإسقاط ظروف كوسوفو على اليمن.

الإرادة اليمنية والسيناريوهات المستقبلية

ولهذا فإن السيناريو الأكثر قابلية للتصور، إذا تغيرت العلاقة يومًا إلى درجة كبيرة من الاندماج، لن يكون بالضرورة تغييرًا قسريًا للحدود، وإنما قد يكون اتحادًا يتم برضا الطرفين، أو ترتيبًا كونفدراليًا، أو مجموعة واسعة من الاتفاقيات التي تنتج في النهاية نوعًا من الاندماج الوظيفي.

غير أن الوصول إلى أي من هذه الصيغ يتطلب متغيرًا لا يمكن تجاوزه، وهو الإرادة اليمنية. فاليمنيون ليسوا مجرد طرف يقع عليه القرار الإقليمي، ولديهم رؤى مختلفة حول مستقبل بلدهم، تتراوح بين الحفاظ على الوحدة، والفيدرالية، والحكم المحلي الواسع، واستقلال الجنوب، والدولة المركزية. ومن ثم فإن أي مشروع مستقبلي للعلاقة مع السعودية سيكون محكومًا في النهاية بقدرة اليمنيين على الاتفاق على شكل الدولة التي يريدونها.

وقد توجد في المستقبل، من الناحية النظرية، قوى يمنية ترى في اتحاد سياسي مع السعودية فرصة لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية، وقد توجد قوى أخرى تراه مساسًا بالسيادة والهوية السياسية. ولذلك فإن أي عملية سياسية من هذا النوع، إذا أصبحت مطروحة يومًا ما، ستكون شديدة التعقيد، ولن يمكن اختزالها في قرار حكومي أو اتفاق ثنائي.

ولا يمكن تجاهل العامل الديموغرافي أيضًا. فاليمن يمتلك قاعدة سكانية كبيرة، وأي اتحاد سياسي مع السعودية سيغير بصورة جوهرية التركيبة السكانية والسياسية للدولة الجديدة. وهذا بدوره سيطرح أسئلة معقدة حول التمثيل السياسي، وتوزيع الموارد، والمواطنة، والخدمات، والوظائف، ومؤسسات الحكم. ولذلك فإن الاتحاد، حتى لو كان مرغوبًا سياسيًا، لن يكون مجرد عملية إعادة تنظيم للحدود، وإنما عملية إعادة بناء واسعة للدولة ومؤسساتها.

السيناريو الأكثر ترجيحًا

ومن هنا يبدو أن السيناريو الأكثر واقعية خلال العقود المقبلة هو بقاء اليمن دولة مستقلة مع زيادة مستوى التكامل مع السعودية. وقد يبدأ ذلك من الاقتصاد، ثم يتوسع إلى الطاقة والنقل والأمن والاستثمار، وربما يصل إلى ترتيبات سياسية وأمنية أكثر عمقًا.

وفي مثل هذا السيناريو يمكن أن تصبح الحدود السعودية اليمنية أقل أهمية من الناحية الاقتصادية، مع بقائها قائمة من الناحية القانونية. فالدول تستطيع الاحتفاظ بسيادتها الكاملة، بينما تصبح اقتصاداتها وأسواقها وشبكات الطاقة والنقل والأمن شديدة الترابط.

وقد يكون هذا هو الشكل الذي يتجه إليه مستقبل شبه الجزيرة العربية بصورة أوسع. فالتطور التاريخي لا يسير دائمًا من الدول الصغيرة إلى الدول الأكبر، بل قد يتجه نحو بناء شبكات من الاعتماد المتبادل تجعل الحدود أقل تأثيرًا دون إلغائها. وقد تصبح المسألة الأساسية هي كيفية إدارة المصالح المشتركة، وليس لمن تتبع الأرض قانونيًا.

ومن هذه الزاوية، فإن السؤال عن اتحاد اليمن والسعودية يصبح جزءًا من سؤال أكبر حول مستقبل النظام الإقليمي في شبه الجزيرة العربية. فإذا شهدت المنطقة خلال العقود المقبلة تكاملًا اقتصاديًا متزايدًا، وتعاونًا أمنيًا أكبر، وربطًا للبنى التحتية، وتوسعًا في حركة التجارة والاستثمار، فقد ينشأ فضاء خليجي ـ يمني شديد الترابط، حتى مع استمرار الحدود والسيادة الوطنية.

وقد يكون اليمن، بسبب موقعه البحري، عنصرًا مهمًا في هذا الفضاء. فالسعودية تطل على البحر الأحمر والخليج العربي، بينما يفتح اليمن المجال نحو خليج عدن وبحر العرب والمحيط الهندي. وهذا الموقع يمنح البلدين إمكانات واسعة للتعاون في النقل والموانئ والخدمات اللوجستية والتجارة والطاقة.

ومن ثم، فإن امتلاك السعودية لعلاقة استراتيجية عميقة مع اليمن يمكن أن يوفر لها مزايا جيوسياسية واقتصادية لا تتطلب بالضرورة تغيير وضع الأراضي اليمنية. وفي المقابل، يستطيع اليمن أن يحصل على استثمارات وتمويل وبنية تحتية وأسواق وفرص اقتصادية، من دون التخلي عن شخصيته القانونية كدولة مستقلة.

وهنا تظهر النتيجة المركزية لهذا التحليل: كلما زادت قدرة البلدين على تحقيق مصالحهما من خلال التكامل، انخفضت الحاجة إلى تغيير الحدود. وكلما أصبح اليمن أكثر استقرارًا ومؤسساتية، أصبح من الممكن بناء علاقة أكثر توازنًا مع السعودية.

أما احتمال الاتحاد السياسي الكامل، فلا يمكن استبعاده بصورة مطلقة على مدى زمني بعيد جدًا، لأن التاريخ لا يخضع لمسارات ثابتة، لكن لا توجد حاليًا مؤشرات موثوقة تسمح باعتباره المسار المرجح. فهو يحتاج إلى توافق سعودي يمني استثنائي، وقبول سياسي ومجتمعي واضح، وترتيبات دستورية وقانونية، وتوافق إقليمي، وبيئة دولية مناسبة.

أما تغيير الوضع الإقليمي لليمن بالقوة، فهو من أكثر السيناريوهات تعقيدًا وكلفة، ولا توجد في المصادر التي يعتمد عليها هذا التحليل أدلة كافية لإثبات وجود مسار سعودي معلن أو مشروع رسمي يستهدف تغيير سيادة اليمن. كما أن مثل هذا المسار سيضع السعودية أمام مسؤوليات سياسية واقتصادية وأمنية وإدارية هائلة، فضلًا عن القيود التي يفرضها القانون الدولي.[1][2]

ولهذا فإن القراءة الأكثر اتزانًا لا ينبغي أن تنطلق من فرضية أن السعودية تريد «ابتلاع» اليمن، ولا من فرضية معاكسة تفترض أن الرياض لا تهتم إلا بالحفاظ على الحدود. فالمشهد أكثر تركيبًا. السعودية تحتاج إلى يمن مستقر، وتريد أن يكون أمنه متوافقًا مع أمنها، ولديها مصالح اقتصادية وجغرافية وبحرية في مستقبله، لكنها لا تحتاج بالضرورة إلى تغيير الوضع القانوني للدولة اليمنية لكي تحقق هذه المصالح.

وقد يكون المستقبل الأكثر احتمالًا هو أن يصبح اليمن جزءًا من المجال الاستراتيجي السعودي من دون أن يصبح جزءًا من الدولة السعودية. وهذا الفرق هو الذي ينبغي أن يحكم قراءة التطورات المقبلة.

فإذا أصبحت التجارة اليمنية مرتبطة بصورة متزايدة بالسوق السعودية، وأصبحت الاستثمارات السعودية عنصرًا مهمًا في الاقتصاد اليمني، وتطورت شبكات النقل والطاقة، وتوسعت الترتيبات الأمنية، وأصبح أمن البحر الأحمر وبحر العرب جزءًا من منظومة تعاون إقليمي، فإن العلاقة ستكون قد قطعت شوطًا كبيرًا نحو الاندماج الوظيفي حتى لو بقيت الحدود على حالها.

وقد يكون هذا الشكل من الاندماج أكثر عمقًا مما يبدو؛ لأن السيادة القانونية لا تعني بالضرورة الاستقلال الكامل في كل مجالات الحياة الاقتصادية والاستراتيجية. فالدولة تستطيع أن تبقى مستقلة قانونيًا، بينما تعتمد بدرجة كبيرة على شريك إقليمي في الأمن والاستثمار والطاقة والتجارة.

ومن هنا يمكن تصور مستقبل تصبح فيه العلاقة السعودية اليمنية أقرب إلى صيغة «دولتين، ومجال استراتيجي واحد»، بدل صيغة «دولة واحدة». وفي هذه الحالة لن يكون السؤال الأساسي هو أين تنتهي حدود السعودية وأين تبدأ حدود اليمن، وإنما كيف تتداخل مصالح البلدين داخل فضاء جغرافي واحد.

وفي ضوء المعطيات التاريخية والقانونية والجغرافية والسياسية والاقتصادية، يمكن القول إن احتمال اختفاء اليمن كدولة وتغير وضعه السيادي لصالح السعودية يظل منخفضًا جدًا في المستقبل المنظور، بينما يبدو احتمال استمرار استقلال اليمن مع تزايد الاعتماد المتبادل والتكامل الاقتصادي والأمني والسياسي أكثر واقعية. أما الاتحاد أو الكونفدرالية، فيبقيان سيناريوهين بعيدين يمكن أن يصبحا قابلين للنقاش فقط إذا شهدت المنطقة تحولات عميقة، وإذا نشأت إرادة سياسية ومجتمعية حقيقية لدى الطرفين.

وبذلك فإن أفضل إجابة عن السؤال ليست «نعم» ولا «لا» بصورة مطلقة، وإنما أن التحول الأكثر احتمالًا ليس تغيير الحدود، بل تغيير وظيفة الحدود. فقد تبقى الحدود السعودية اليمنية كما رسمتها الاتفاقيات، وفي الوقت نفسه تتحول من خط يفصل بين اقتصادين ومجالين استراتيجيين إلى بوابة لحركة التجارة والاستثمار والطاقة والمصالح المشتركة.

وإذا حدث ذلك، فإن التاريخ قد لا يسجل أن السعودية «غيّرت الوضع السيادي لليمن»، وإنما قد يسجل أن البلدين نجحا، بعد عقود طويلة من الصراع والتوتر، في بناء أحد أكثر أشكال التكامل تأثيرًا في شبه الجزيرة العربية، بحيث يصبح استقرار كل منهما مصلحة مباشرة للآخر.

وهذا هو الاحتمال الذي يبدو، وفق المعطيات المتاحة، أكثر اتساقًا مع منطق السياسة الدولية المعاصرة: اليمن مستقل قانونيًا، لكنه شديد الارتباط بالسعودية استراتيجيًا واقتصاديًا وأمنيًا؛ والسعودية تحافظ على حدودها وسيادتها، لكنها تتعامل مع استقرار اليمن باعتباره جزءًا من أمنها القومي ومصالحها بعيدة المدى.

أما إذا تغيرت البيئة الإقليمية بصورة جذرية خلال النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين، فقد تظهر صيغ سياسية أكثر عمقًا. لكن أي انتقال من التكامل إلى الاتحاد لن يكون نتيجة القوة السعودية وحدها، بل نتيجة تفاعل ثلاثة عناصر أساسية: الإرادة اليمنية، والإرادة السعودية، والبيئة الإقليمية والدولية.

ولهذا فإن مستقبل العلاقة بين البلدين لن تحدده الخرائط وحدها، وإنما ستحدده القدرة على تحويل الجغرافيا من مصدر للصراع إلى مصدر للتكامل، وتحويل الحدود من خط للمواجهة إلى مساحة للتعاون، وتحويل عدم التكافؤ الاقتصادي من مصدر للتبعية إلى أساس لشراكة تنموية، وتحويل الأمن المشترك من مبرر للتدخل إلى إطار للتعاون.

وفي هذه النقطة تحديدًا يمكن أن تكمن الإجابة الأعمق عن السؤال: ربما لا يكون مستقبل اليمن هو الاتحاد مع السعودية، وإنما الاقتراب المتزايد من السعودية دون التحول إلى جزء منها؛ وربما لا تكون المسألة في نهاية المطاف مسألة تغيير خريطة شبه الجزيرة العربية، وإنما إعادة تعريف معنى الحدود والسيادة والتكامل داخلها.

وهذا السيناريو، إذا تحقق، قد يكون أكثر واقعية وأقل كلفة، وأكثر قابلية للتوافق مع النظام القانوني الدولي، وفي الوقت ذاته أكثر قدرة على الحفاظ على خصوصية اليمن وتحقيق الهدف الاستراتيجي الأساسي للمملكة: وجود يمن مستقر وآمن وصديق، لا يشكل تهديدًا لحدودها ولا يسمح بتحويل أراضيه وموانئه إلى منصة تهدد أمنها ومصالحها الإقليمية والدولية.

الهوامش والمراجع

[1] United Nations, Charter of the United Nations, Article 2(1) and Article 2(4)،

ولا سيما مبدأ المساواة في السيادة والامتناع عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي للدول. ويُعد ميثاق الأمم المتحدة المصدر القانوني الأول لهذه القاعدة.

[2] United Nations General Assembly, Declaration on Principles of International Law concerning Friendly Relations and Co-operation among States in accordance with the Charter of the United Nations, Resolution 2625 (XXV), 24 October 1970،

ولا سيما المبادئ المتعلقة بالمساواة في السيادة، وعدم استخدام القوة، واحترام السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي للدول.

[3] United Nations Treaty Collection, International Boundary Treaty between the Republic of Yemen and the Kingdom of Saudi Arabia, Jeddah, 12 June 2000, Registration No. 43167؛ دخلت المعاهدة حيز النفاذ في 4 July 2000.

[4] Bundesrepublik Deutschland und Deutsche Demokratische Republik, Vertrag über die Herstellung der Einheit Deutschlands (Einigungsvertrag), Berlin, 31 August 1990.

[5] Stephen W. Day and Noel Brehony (eds.), Global, Regional, and Local Dynamics in the Yemen Crisis, Palgrave Macmillan, 2020،

بشأن تطورات الدولة اليمنية والصراع والتحولات السياسية التي قادت إلى الأزمة والحرب المعاصرة.

[6] United Nations Security Council, Resolution 179 (1963), S/RES/179, 11 June 1963؛ وهي القرار الذي أسس لبعثة الأمم المتحدة للمراقبة في اليمن (UNYOM). وتوضح وثائق الأمم المتحدة أن البعثة أُنشئت لمراقبة تنفيذ ترتيبات فض الاشتباك بين السعودية والجمهورية العربية المتحدة.

[7] Asher Orkaby, Beyond the Arab Cold War: The International History of the Yemen Civil War, 1962–68, Oxford University Press, 2017. وتتناول الدراسة الطبيعة الدولية للحرب اليمنية وتشابكها مع التنافس الإقليمي والدولي خلال الحرب الباردة.

[8] Kingdom of Saudi Arabia, Saudi Vision 2030، البرامج التنفيذية المرتبطة بالتنويع الاقتصادي، والاستثمار، والصناعة، والخدمات اللوجستية، ولا سيما National Industrial Development and Logistics Program (NIDLP).

[9] United Nations Security Council, Resolution 2216 (2015), S/RES/2216, 14 April 2015، بشأن الحالة في اليمن والتدابير والعقوبات ذات الصلة.

[10] Mohammed Ali Thamer and Betul Dogan Akkas, “Red Sea Hostilities: Local, Regional, and International Implications,” Carnegie Endowment for International Peace, 30 January 2024، بشأن انعكاسات الهجمات في البحر الأحمر على الأمن الإقليمي والملاحة والتجارة الدولية.

[11] Eleonora Ardemagni, “Patchwork Security: The New Face of Yemen’s Hybridity,” Carnegie Endowment for International Peace / ISPI, 30 October 2018؛ تتناول الدراسة إعادة تشكيل قطاع الأمن اليمني، وتعدد الفاعلين العسكريين، وتداخل المؤسسات الرسمية والقوى المسلحة المحلية، وما نتج عن ذلك من بنية أمنية هجينة ومتعددة مراكز النفوذ.

[12] Ibrahim Jalal, “Saudi-Emirati Divergences Lead Hadhramawt to a Crossroad,” Carnegie Endowment for International Peace, 23 December 2024؛ تتناول الدراسة التنافس السعودي الإماراتي في حضرموت، وتباين مجالات النفوذ والأولويات بين الرياض وأبوظبي، وصلتهما بالأمن والحدود والمصالح البحرية والاقتصادية.

[13] Ibrahim Jalal, “The Struggle Over Mahra,” Carnegie Endowment for International Peace, 24 March 2025؛ تتناول الدراسة انتشار قوات درع الوطن المدعومة سعوديًا في المهرة، وتداخل المصالح السعودية والعمانية، والمواقف المحلية من تنامي أدوار القوى الخارجية في المحافظة.

[14] Peter Salisbury, Yemen’s Southern Powder Keg, Chatham House, 27 March 2018

؛ تتناول الدراسة تطور الدور الإماراتي في جنوب اليمن، بما في ذلك دعم وتدريب القوات المحلية، ودور القوات المدعومة إماراتيًا في حضرموت والساحل الغربي، كما تشير إلى تمايز المقاربة الإماراتية في بعض العمليات عن المقاربة السعودية. ويُستفاد من المرجع لتوثيق الحضور الإماراتي وتباين الأدوار بين أبوظبي والرياض، دون افتراض تعارض المصالح بين البلدين في جميع الملفات.

[15] Fatima Abo Alasrar, “Saudi Arabia Takes Full Control of Yemen’s South,” Stimson Center, 12 January 2026؛ يُستخدم هذا المصدر بوصفه تحليلًا معاصرًا لتطور مركز الثقل في إدارة الملف الجنوبي باتجاه الرياض، وليس بوصفه دليلًا قانونيًا على انتقال السيادة اليمنية.

[16] Sanam Vakil, “Saudi Arabia’s Goals Rest on Managing Multipolarity,” in Competing Visions of International Order: Responses to US Power in a Fracturing World, Chatham House, 27 March 2025

؛ يتناول المصدر توجهات السعودية في إدارة التوازنات الدولية والإقليمية، ويربط إنهاء الحرب اليمنية بأهداف الرياض الأوسع في تحقيق الاستقرار الإقليمي، كما يتناول التنافس السعودي الإماراتي وتباين مواقف البلدين في اليمن. ويُستخدم هنا بوصفه تحليلًا للسياسة والاستراتيجية السعودية، لا إثباتًا لتغير الوضع القانوني لليمن.

[17] United Nations Security Council, Resolutions and Documents on Yemen، ولا سيما القرارات 2140 (2014)، و2201 (2015)، و2216 (2015)، و2451 (2018)، و2452 (2019)، و2565 (2021)، و2624 (2022)، إلى جانب البيانات والوثائق ذات الصلة. وتؤكد وثائق المجلس في سياقات مختلفة أهمية العملية السياسية ووحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه؛ كما أعاد المجلس في بياناته التأكيد على هذه المبادئ صراحة.

[18] International Court of Justice, Accordance with International Law of the Unilateral Declaration of Independence in Respect of Kosovo, Advisory Opinion, 22 July 2010؛ ويُستخدم الرأي في حدود المسألة القانونية التي عرضت على المحكمة، إذ خلصت إلى أن إعلان استقلال كوسوفو لم ينتهك القانون الدولي، دون أن تقرر وجود حق عام تلقائي في الانفصال أو تغيير الحدود.

[19] Office of the Special Envoy of the Secretary-General for Yemen, Documents and Reports on the Yemen Peace Process؛ ويُستخدم بوصفه مصدرًا أوليًا لمتابعة المواقف الأممية وتطور العملية السياسية والتسوية اليمنية