الدكتوراه في جوهرها ليست سباقًا مع الزمن، ولا ينبغي أن تكون كذلك. فالبحث العلمي الجاد يحتاج إلى وقت، والبحث الأصيل لا يُطبخ على عجل ، لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: متى يكون طول رحلة الدكتوراه ضرورة علمية ومتى يتحول إلى تعقيد لا يخدم العلم؟
في بعض الجامعات، تبدأ الرحلة بسنة تمهيدية، ثم تمتد مرحلة الأطروحة ثلاثًا أو أربع سنوات، وربما أكثر. وقد يخرج الطالب في النهاية وهو لا يتساءل فقط عن قيمة ما أنجزه، بل عن سؤال أكثر مرارة: هل كنت أحتاج فعلًا إلى كل هذه السنوات؟
الدكتوراه ليست كلما طالت كانت أقوى ؛ فهناك خطأ شائع في بعض البيئات الأكاديمية: الاعتقاد بأن طول مدة الدراسة دليل على قوة البرنامج، وأن الرسالة كلما كانت أكبر وأثقل كانت أكثر علمية.
لكن العلم لا يُقاس بعدد السنوات ولا بعدد صفحات الأطروحة. قد تكون أطروحة من مئات الصفحات ضعيفة الإضافة، بينما تكون دراسة أكثر تركيزًا وأقل حجمًا أكثر قيمة وتأثيرًا ، البحث الجيد ليس الأطول… بل الأكثر إضافة.
سنة تمهيدية… ثم سنوات الأطروحة؛ فالمرحلة التمهيدية قد تكون مهمة جدًا، خصوصًا عندما تهدف إلى بناء مهارات الباحث في المنهجية، والنظريات، والتحليل، والكتابة العلمية... لكن السؤال: هل كل ما يُدرس في السنة التمهيدية ضروري فعلًا للوصول إلى أطروحة الدكتوراه؟
إذا تحولت السنة إلى تكرار لما درسه الطالب في البكالوريوس والماجستير، ثم أضيفت إليها سنوات طويلة من الإجراءات، فقد يتحول البرنامج من تكوين باحث إلى إطالة مسار. المشكلة ليست في السنة التمهيدية بحد ذاتها، وإنما في محتواها وفاعليتها.
ثم تأتي الأطروحة… وتبدأ رحلة أخرى.، بعد أن ينتهي الطالب من المقررات، يظن أن الطريق أصبح أوضح. لكن هنا قد تبدأ مرحلة أكثر تعقيدًا: - اختيار الموضوع. - اعتماد العنوان. - إعداد الخطة. - المناقشة. - التعديلات. - الموافقات. - جمع البيانات. - التحليل. - كتابة الفصول. - المراجعة. - ثم مراجعة المراجعة!
وأحيانًا يشعر الطالب أن الرسالة لا تنتهي، ليس لأن البحث معقد بالضرورة، وإنما لأن كل مرحلة تفتح بابًا جديدًا للتأجيل.
أحيانًا يكون المشرف هو المشكلة ، وهذه حقيقة لا ينبغي الهروب منها؛ فهناك مشرفون يصنعون باحثين، وهناك من يجعلون الباحث يدور في حلقة مفرغة ، ملاحظات غير واضحة، تعديلات متكررة، تغيير التوجيه من مرحلة إلى أخرى، تأخير في الرد، عدم تحديد الأولويات وأحيانًا طلب تعديلات لا تتناسب مع طبيعة البحث أو مرحلته. وقد يجد الطالب نفسه بعد أشهر من العمل يعود إلى نقطة كان قد تجاوزها وبالطبع، ليس كل تأخير سببه المشرف. لكن حين تكون العلاقة الإشرافية غير منظمة، فإن أطروحة يمكن أن تنجز في وقت معقول قد تتحول إلى سنوات إضافية.
وأحيانًا تكون المشكلة في الجامعة؛ فقد تكون اللوائح نفسها جزءًا من المشكلة، إجراءات طويلة، لجان كثيرة، مواعيد محددة لا تراعي ظروف البحث، تأخر الموافقات، تعقيد في الإجراءات الميدانية وتعدد الجهات التي يحتاج الطالب إلى المرور بها. وهنا لا يعود الباحث يقاتل من أجل بحثه فقط، بل يقاتل أيضًا من أجل تحريك ملفه. والجامعة التي لا تراجع إجراءاتها باستمرار قد تجعل الطالب يدفع ثمن بيروقراطيتها من عمره.
لكن لنكن منصفين… أحيانًا الطالب هو السبب ، النقد الأكاديمي الجاد لا يبحث عن شماعة؛ فبعض الطلاب يؤخرون أنفسهم، يبدأ الطالب بحماس، ثم يتراجع، يتأخر في القراءة، لا يلتزم بجدول العمل، يؤجل الكتابة، يتردد في اتخاذ القرار يغيّر الموضوع او المشرف أكثر من مرة. أو ينتظر من المشرف أن يقوم بكل شيء نيابة عنه. ثم بعد سنوات يقول: "الدكتوراه أخذت وقتًا طويلًا."والحقيقة أن جزءًا من الوقت ربما لم يأخذه البرنامج… بل أخذته المماطلة.
إذن… من المسؤول؟ في كثير من الحالات، لا يوجد سبب واحد، المعادلة قد تكون: طالب غير منظم + مشرف متأخر + إجراءات معقدة + برنامج غير مرن = دكتوراه أطول مما ينبغي.
ولهذا فإن معالجة المشكلة تحتاج إلى النظر إلى النظام كاملًا، لا إلى طرف واحد. هل المطلوب تقليل سنوات الدكتوراه؟ ليس بالضرورة. المطلوب هو أن تكون المدة مبررة علميًا. إذا احتاج البحث أربع سنوات لأنه يتطلب عملًا ميدانيًا طويلًا، أو بيانات معقدة، أو تجارب متعددة، فهذا مفهوم.
أما أن تمتد السنوات بسبب انتظار توقيع، أو تأخر رد، أو تعديل شكلي متكرر، أو إجراء إداري يمكن.اختصاره، فهنا يجب أن نسأل: هل هذه مدة بحث… أم مدة انتظار؟ وهذا سؤال جوهري.
الدكتوراه ليست اختبارًا للصبر لا ينبغي أن تتحول السنوات الطويلة إلى شهادة ضمنية على قوة الباحث.
فليس من المنطقي أن نقول: "أنهى الدكتوراه في ثلاث سنوات، إذن بحثه ضعيف." ولا: "استغرق سبع سنوات، إذن هو أكثر علمًا." هذه معادلة خاطئة، الزمن وحده لا يمنح البحث قيمة.
رسالة إلى الجامعات: ضعوا سقفًا زمنيًا واقعيًا لكل مرحلة، اجعلوا الإجراءات واضحة، حددوا مسؤوليات المشرف والطالب، ضعوا آليات للتعامل مع التأخير وراجعوا البرامج دوريًا. فالجامعة الجيدة لا تكتفي بتحديد متطلبات التخرج، بل تسأل أيضًا: ما الذي يمنع الطالب من الوصول إليها في الوقت المعقول؟
رسالة إلى المشرفين: إذا كانت هناك مشكلة، قولوا للطالب بوضوح ما المشكلة، لا تجعلوا الطالب يعيش أشهرًا في انتظار ملاحظة غير محددة، التوجيه الجيد يوفر الوقت والملاحظة الواضحة قد توفر على الباحث فصلًا كاملًا من العمل. وتذكروا: الطالب ليس مشروعًا مفتوحًا إلى ما لا نهاية.
ورسالة إلى الطلاب: لا تجعلوا المشرف أو الجامعة شماعة لكل تأخير، ضعوا خطة، التزموا بها، اكتبوا باستمرار وثّقوا ملاحظات المشرف، اسألوا عندما لا تفهمون وتعلموا أن تقولوا: "هذا الجزء أنجزته، وهذا ما تبقى، وهذه خطتي للانتهاء." . الباحث المستقل لا ينتظر أن يُدفع في كل خطوة.
واخيرا الدكتوراه تحتاج إلى وقت، نعم، لكنها تحتاج قبل الوقت إلى إدارة واعية، فإذا كانت السنوات الطويلة ناتجة عن عمق البحث، فهذا ثمن العلم. أما إذا كانت ناتجة عن سوء الإدارة، أو ضعف الإشراف، أو بيروقراطية الجامعة، أو تسويف الطالب، فهذه ليست ضريبة العلم… بل تكلفة يمكن تجنبها، والجامعات التي تريد تخريج باحثين أفضل، عليها ألا تسأل فقط:"متى تخرج الطالب؟" بل أن تسأل أيضًا:."كم من الوقت أضعناه عليه بلا ضرورة؟"
الدكتوراه تحتاج إلى صبر… لكنها لا تحتاج إلى إضاعة العمر؛ فالسنوات التي تصنع معرفةً ثمينة استثمار، أما السنوات التي تضيع بين التعقيد والتأجيل… فهي خسارة على الجميع.