تشهد الساحة الإقليمية تحولات دراماتيكية متسارعة، حيث تضيق الحلقة الدبلوماسية والعسكرية حول النظام الإيراني الذي يواجه ضغوطاً داخلية وخارجية غير مسبوقة.
وفي ظل تراجع وبتر وتآكل العديد من أذرعه العسكرية والسياسية التي بناها على مدار عقود في عواصم عربية مختلفة، لم يتبق أمام نظام طهران سوى ملاذه الأخير وأداة تفخيخ الممرات المائية؛ مليشيا الحوثي في اليمن.
هذا اللجوء المتزايد للحوثيين من قبل الحرس الثوري الإيراني يعكس، بحسب مراقبين، حالة من العجز والمحاولات اليائسة لتحقيق أي مكاسب سياسية أو عسكرية على حساب استقرار المنطقة والعالم.
استراتيجية حافة الهاوية
تأسست الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية لسنوات طويلة على ما يُعرف بالدفاع الهجومي المتقدم، عبر تحريك بيادق متعددة لتشتيت انتباه المجتمع الدولي بعيداً عن الداخل الإيراني وبرنامجه النووي.
ومع تعرض هذه الشبكة لضربات قاصمة وتفكك حلقات ما يسمي بمحور المقاومة، وجدت طهران نفسها مضطرة للاعتماد كلياً على المليشيا الحوثية.
يرى المحللون أن الجغرافيا الاستراتيجية التي يسيطر عليها الحوثيون، والمطلة على مضيق باب المندب والبحر الأحمر، تمنح طهران ورقة ابتزاز قوية قادرة على تهديد حركة التجارة العالمية والاقتصاد الدولي بأقل التكاليف المباشرة على النظام الإيراني نفسه.
انتحار مليشاوي على أسوار الصف الجمهوري
في محاولة لترجمة الإملاءات الإيرانية إلى مكاسب على الأرض، شنت مؤخراً مليشيا الحوثي هجمات انتحارية واسعة في جبهات متعددة، كان أبرزها ريف تعز الغربي وجنوب الحديدة والساحل الغربي.
غير أن هذه المغامرات العسكرية قوبلت بجدار صلب من الجاهزية والصلابة من قبل قوات الجيش الوطني ومكونات الصف الجمهوري، بما في ذلك ألوية العمالقة والمقاومة الوطنية وقوات درع الوطن.
ونجحت القوات المشتركة والجيش الوطني في التصدي للهجمات بالمثلث الناري بريف تعز، ونفذت هجمات معاكسة أسفرت عن استعادة مواقع استراتيجية حاكمة وتأمين خطوط الإمداد الحيوية التي تربط بين تعز والمخا.
وتؤكد التقارير الميدانية أن هذه المواجهات كلفت المليشيا مئات القتلى والجرحى وأسر العشرات من عناصرها، مما يثبت فشل الرهان الإيراني على إمكانية تحقيق تقدم ميداني يغير موازين القوى لصالح أجندتها المشبوهة.
فوضى في البحر الأحمر لإنقاذ طهران
ولم يقتصر التوظيف الإيراني للمليشيا الحوثية على المعارك البرية، بل امتد لتهديد الملاحة الدولية عبر إطلاق الصواريخ الباليستية، والمسيرات الانتحارية الموجهة بالألياف الضوئية، والزوارق المفخخة. هذه التحركات البحرية لا تخدم القضية اليمنية ولا القضايا العربية بأي صلة، بل تُدار بشكل مباشر عبر غرفة عمليات مشتركة يشرف عليها خبراء من الحرس الثوري الإيراني لخلط الأوراق السياسية، وتخفيف الضغوط المفروضة على طهران، ومحاولة فرض شروط تفاوضية جديدة مع القوى الدولية.
غير أن هذا التصعيد قوبل بتحالفات بحرية دولية وإجراءات حازمة حدت بشكل كبير من فاعلية هذه الهجمات وحولتها إلى عبئ استراتيجي على المليشيا وبيئتها الحاضنة.
جرائم الحرب والانتهاكات
في غمرة تراجعها الميداني وعجزها عن تحقيق اختراقات حقيقية، تلجأ مليشيا الحوثي كعادتها إلى الانتقام من المدنيين العزل.
فقد رصدت المنظمات الحقوقية قصفاً عشوائياً مكثفاً بالصواريخ الباليستية والحرارية استهدف القرى السكنية، والمطاعم، والشرايين الحيوية مثل طريق هيجة العبد الاستراتيجي، الرابط بين تعز وعدن، مما تسبب في سقوط ضحايا مدنيين وموجات نزوح لعشرات الأسر. وتكشف هذه الانتهاكات الصارخة الوجه القبيح للمشروع الحوثي-الإيراني الذي لا يبالي بمعاناة الشعب اليمني، ويستمر في تدمير البنية التحتية المتهالكة أصلاً خدمة لسياسة الابتزاز الإقليمي.
مستقبل الصراع... انكسار الذراع الأخيرة وعزلة المليشيا
تجمع القراءات التحليلية للمشهد اليمني والإقليمي على أن لجوء إيران لورقة الحوثيين كآخر أذرعها في المنطقة لن يجني سوى مزيد من الفشل. فالقوات المسلحة اليمنية المسنودة بالتفاف شعبي وقبلي واسع باتت أكثر تماسكاً وتنسيقاً من أي وقت مضى.
ومع استمرار العقوبات الدولية والعزلة الدبلوماسية التي تفرضها تصرفات الحوثيين الطائشة، فإن هذه المحاولات البائسة لن تزيد المليشيا إلا تخبطاً، ولن تفضي إلا إلى تسريع وتيرة انهيار المشروع التوسعي الإيراني في المنطقة، ليبقى اليمن حراً عربياً وعصياً على التبعية والارتهان الخارجي.