أخبار محلية

طيران القوات المسلحة يغير قواعد الاشتباك

عدن الغد- محليات 08/09/2026 10:06 329 مشاهدة
طيران القوات المسلحة يغير قواعد الاشتباك

كثّف الطيران الحربي التابع للقوات المسلحة اليمنية غاراته على مواقع عناصر جماعة الحوثيين وتجمعاتهم في عدد من جبهات القتال مساء أول أمس الأحد وفجر أمس الاثنين، في وقت تصاعدت فيه المواجهات الميدانية في محافظات تعز والبيضاء ومأرب والضالع. ودخل طيران الحكومة اليمنية للمرة الأولى، فجر السبت الماضي، على خط المعارك الدائرة في محافظة تعز، مقدماً إسناداً جوياً للقوات البرية، وقصف للمرة الأولى مواقع لجماعة الحوثيين في جبهة حيس غربي المحافظة، بالتزامن مع تصعيد عسكري واسع تشهده الجبهات الغربية لتعز، في خطوة اعتبرت تغيراً في قواعد الاشتباك مع جماعة الحوثيين. وقال المركز الإعلامي للقوات المسلحة، في بيان مساء الأحد، إن الطيران الحربي نفّذ أكثر من 11 غارة جوية على مواقع وثكنات تابعة للحوثيين في محافظة البيضاء خلال الساعات الـ24 الماضية، من دون أن يورد تفاصيل عن طبيعة المواقع المستهدفة أو حجم الخسائر الناجمة عن القصف. وأضاف المركز أن الطيران الحربي شنّ كذلك عدة غارات على تجمعات وثكنات للحوثيين في الجبهات الجنوبية لمحافظة مأرب.

وفي محافظة الضالع، أفادت مصادر عسكرية لـ"العربي الجديد"، بأن طائرات حربية تابعة لقوات الحكومة اليمنية شنّت سلسلة غارات على مواقع للحوثيين في منطقة مريس، فيما استهدفت غارات أخرى جبل ناصة، جنوب مدينة دمت، وتصاعدت ألسنة اللهب من المواقع المستهدفة عقب القصف. وتشهد جبهات محافظة تعز والساحل الغربي لليمن تصعيداً عسكرياً واسعاً وغير مسبوق، بدأ فجر الخميس الماضي، مع تجدد المعارك الميدانية وتبادل الهجمات على محاور عدة بين قوات الحكومة اليمنية وجماعة الحوثيين. وأسفرت الاشتباكات عن مقتل أكثر من 300 شخص في الأيام الأخيرة، وفق وسائل إعلام محلية، ما أجبر العديد من العائلات على الفرار من منازلها. وأفاد مصدران عسكريان من القوات الحكومية وكالة فرانس برس، بأن 84 من عناصرها قتلوا خلال هذه المعارك بين منتصف يوم السبت وصباح الأحد. من جهتها، أفادت أربعة مصادر من جهة الحوثيين بمقتل 57 منهم خلال الفترة ذاتها.

​بالتزامن مع الغارات التي نفذها سلاح الجو التابع لقوات الحكومة اليمنية كان وصول قيادات رفيعة، على رأسها قائد المنطقة العسكرية الرابعة وقائد الفرقة الثانية عمالقة اللواء حمدي شكري، ورئيس أركان قوات "درع الوطن" العميد عبد الرحمن اللحجي، إلى مدينة المخا لمتابعة العمليات عن قُرب، خطوة تنظيمية لدعم القوات الحكومة اليمنية التي تعرضت لهجمات حوثية متكررة منذ فجر الخميس. وكانت القوات الجوية اليمنية قد كشفت في يوليو/تموز الماضي عن عدد من المقاتلات التي جرى تفعيلها وهي من طراز المقاتلة الأميركية الشهيرة "Northrop F-5F Tiger II" (النسخة ثنائية المقعد كاملة المهام)، والتي تمتاز بقدرات عالية في الهجوم الأرضي والاستطلاع؛ حيث مثّل إعادة إحياء هذه المقاتلة الخفيفة، بسرعتها البالغة 1.6 ماخ (1976 كيلومتراً في الساعة) ومدى قتالي يقارب 1400 كيلومتر، نجاحاً فنياً لفرق الصيانة التابعة للشرعية في استغلال بساطة تشغيل الطائرة وانخفاض كلفة صيانتها لفرض قواعد اشتباك جديدة في السماء.

​وترافق هذا الضغط مع مواجهات أفشلت محاولات الحوثيين اختراق خطوط التماس في قطاعات حيس والجراحي والبرح ومقبنة، حيث نفذت طائرات مسيرة تابعة للمقاومة الوطنية استهدافات مركزة، ونجحت الدفاعات الجوية في التعامل مع مسيّرات موجهة. وأسفر هذا التصعيد عن تطورات ميدانية، أبرزها استعادة مديرية حيس بمحافظة الحديدة بالكامل وتأمين مناطقها الريفية، والتوغل نحو مفرق البرح، إلى جانب إحراز تقدم في جبال المحرق بمحور سقم والسيطرة على عتاد عسكري. وأسفرت هذه العمليات عن وقوع خسائر بشرية ومادية في صفوف الجماعة استدعت اتخاذ إجراءات طبية طارئة لاستيعاب الضحايا. وبذلك، أثبت هذا الغطاء الجوي المتكامل مع الجهد البري قدرته على التأثير في مجريات الاشتباكات والحد من التوافد البشري للحوثيين، وتحويله إلى تحدٍ لوجستي واسع أمام تحركاتهم.

​ونجحت قوات "العمالقة" و"المقاومة الوطنية" في إحداث تغيير ميداني على الأرض، حيث قادت هجوماً معاكساً في جبهتي سقم وجنوب الجراحي، ونجحت في تثبيت خطوط الجبهات وتحرير مواقع متقدمة. وإلى جانبها، شكلت قوات "درع الوطن" ووحدات الجيش قوة إسناد عززت تماسك الجبهات ووزعت المهام العسكرية.

و​يمثل دخول سلاح الجو التابع لقوات الحكومة اليمنية خط المواجهة الفعلي، نقطة تحول تفصيلية تتجاوز الأبعاد التكتيكية لتلامس مسار الصراع السياسي والعسكري. ​وبحسب مراقبين، فإن شروع سلاح الجو التابع للقوات الحكومية بتنفيذ عمليات مركّزة استهدفت مواقع وتحصينات وتجمعات وآليات لجماعة الحوثي في امتداد قطاعات حيس والحديدة وتعز، يعكس لدى هذه القوات انتقالاً مدروساً من استراتيجية الاستجابة وردة الفعل إلى امتلاك زمام المبادرة الميدانية.

و​يصطدم مسرح العمليات في تعز والساحل الغربي بتباين جغرافي معقد، فبينما يتميز الساحل بطبيعته السهلية المفتوحة، تتدرج جغرافياً تعز نحو كتل صخرية شاهقة ومرتفعات جبلية وعرة، مثل جبال مديريات جبل حبشي ومقبنة، التي شكّلت لسنوات طويلة عائقاً استثمرته الجماعة لتعطيل تقدم الجيش. غير أن دخول سلاح الجو بضربات موجّهة أعاد صياغة قواعد الاشتباك في هذه البيئة الصعبة، مُثبتاً قدرته على التعامل مع التحصينات الطبيعية وتأثير حركة المدافعين داخل القمم الجبلية في جبهات مقبنة والكدحة وجبل حبشي. ويظهر الأثر الفعلي هنا في تمهيد الطريق أمام وحدات المشاة للتقدم والسيطرة على التباب الاستراتيجية. ​ويتكامل هذا التحول الميداني مع تصريحات القيادة السياسية والعسكرية، مثل متابعة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي الحثيثة وتأكيده على أهمية تأمين الملاحة في باب المندب، ليؤكد أن التصعيد يترك أثراً عسكرياً على سير المواجهات، ويمنح قوات الحكومة اليمنية جاهزية أكبر للتحول من التمركز الدفاعي إلى التقدم الهجومي.

وفي السياق، ​أكد الخبير العسكري، العقيد عبد العليم أبو طالب، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن دخول أي سلاح جديد إلى أي قوة تحارب على خطوط النار، سواء في حروب الداخل ضد التمرد أو الحروب الدولية، يترك بلا شك تأثيراً فعالاً ومباشراً في مجريات المعارك ونتائجها". وأوضح أن "عدم إلمام العدو بحجم التسليح ونوعيته يفرض نتائج حتمية في ميادين القتال، تظهر أولاً في التأثير الميداني والفعالية العسكرية، وتتجلى ثانياً في الانهيار المعنوي المباشر في أرض المعركة". ومن هذا المنطلق، أشار إلى أن "دخول سلاح الطيران القتالي ومسيّراته قد أحدث فارقاً كبيراً في مجريات المعارك الحالية، وهو ما يتجسد بوضوح في حجم الخسائر المادية والبشرية الفادحة التي تكبدها الحوثيون، وما تبعه من تصدع معنوي تمثل في حالات الانسحاب وفرار المقاتلين من خطوط المواجهة".

​وأشار أبو طالب إلى أن "دراسة تحركات الخصم عقب بدء هجومه تكشف عن تحولات تكتيكية لافتة، تمثلت في استبدال غالبية المقاتلين المحليين بعناصر مقاتلة تنتمي إلى معاقل رئيسية مثل صعدة وذمار وغيرها ممن تحظى بثقة القيادة الحوثية"، معتبراً أن "هذا التبدل جاء حتميةً أولى لدخول سلاح الجو، ونتيجة ثانية لوحدة القرار العسكري المتخذ". وأضاف أن "سلاح الجو، ورغم أنه لا يحسم المعارك البرية بمفرده، إلا أن فاعليته تظل محورية وعالية من عدة اعتبارات، أبرزها كونه اليد الطولى للعمل القتالي بفضل قدرته على اختراق عمق مسرح عمليات العدو وتوجيه ضربات مركزة ودقيقة تستهدف مصادر النيران بعيدة المدى، والتجمعات، وخطوط الإمداد". وإلى جانب ذلك، "يمثل الطيران أداة استطلاع فعالة ومباشرة أثناء سير العمل القتالي، مزوداً القيادة بمعلومات آنية ودقيقة ترصد تحركات العدو وآلياته لحظة بلحظة"، ليؤكد في الختام أن "دخول سلاح الجو قد رسم فعلياً فارقاً نوعياً في مجريات العمل القتالي ونتائجه الاستراتيجية".

وبدوره، أكد المحلل العسكري، المقدم أحمد المليكي، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن دخول الطيران الحربي والمسيّر خط المواجهات العسكرية يمثل انعطافاً لافتاً في مسار المعارك، مشدداً في الوقت ذاته على أن "الفارق الميداني الحقيقي يظل رهناً بكفاءة القوات البرية وتكامل المنظومة الاستخباراتية". وأوضح المليكي أن الطيران الحربي والمسيّر بلا شك يحدثان تغييراً كبيراً في مسار المعارك، لا سيما في استهداف والقضاء على الأهداف الثابتة وبعض المتحركة"، مستدركاً: "بالتأكيد على أن الفاعلية الجوية تظل مقترنة بعوامل حاكمة، أبرزها امتلاك المعلومة التي ترتكز بدورها على جهاز استخبارات قوي، ليظل سلاح الجو عاملاً مساعداً يمهد لتقدم القوات البرية التي وحدها تحدث الفارق الحقيقي".

​وبيّن أن "التفوق الجوي لقوات الحكومة اليمنية سواء عبر امتلاك الطيران الحربي أو الطيران المسير المتنوع بين الاستطلاعي والهجومي والانتحاري، سيكون له أثر بالغ في تغيير قواعد الاشتباك على الأرض"، مؤكداً أن "تعظيم هذا الأثر يعتمد على التوظيف الأمثل للتفوق الجوي من خلال اتباع تكتيكات مناسبة في مهام الإسناد الجوي والضربات الاستراتيجية". ​وعلى الصعيد الميداني في جبهات تعز والساحل الغربي، اعتبر المليكي أن "تعزيز الجبهات بقوات العمالقة ودرع الوطن، شكّل ضرورة ملحة لمواجهة التحشيد الحوثي والأنساق المتتابعة التي اعتمدتها الجماعة في هجومها الأخير، والذي تخللته تغطية صاروخية غير مسبوقة". غير أنه شدّد على "أهمية توزيع هذه القوات على الجبهات القائمة على امتداد الشريط الممتد من تعز إلى المخا والحديدة، مع ضرورة توحيد القوات بحيث تعمل تحت قيادة وغرفة عمليات موحدة"، لافتاً إلى أن "جماعة الحوثي دفعت بأعداد بشرية كبيرة نحو جبهة الساحل التي تتصدر قائمة أولوياتها، سعياً من خلال حشد المقاتلين واستخدام القوة المفرطة إلى خوض معركة سريعة وحاسمة".