أخبار محلية

تجريف العقول.. عندما يستبدل الحوثي الهوية اليمنية بالفكرة الإيرانية

المنتصف نت- المنتصف نت 14/09/2026 01:50 340 مشاهدة
تجريف العقول.. عندما يستبدل الحوثي الهوية اليمنية بالفكرة الإيرانية

ليس مستغرباً أن تتحول الجغرافيا اليمنية، تحت إدارة الجماعة الحوثية الإرهابية، إلى مساحة طاردة لكل من يحمل رأياً، أو يملك فكراً، أو يمارس مهنة العقل. فالجماعات القائمة على الإيدولوجيات المذهبية والمستوردة لا تتغذى إلا على الجهل، ولا تستقر إلا عبر إخراس الأصوات وتكميم العقول. وما شهدناه خلال سنوات الحرب لم يكن مجرد صراع عسكري على السلطة، بل كان عملية تجريف ممنهجة للطبقة الوسطى والنخبة الثقافية والإعلامية والأكاديمية اليمنية، لصالح مشروع إيراني دخيل يقتات على التطييف والإخضاع.
لقد اختارت هذه المليشيا، منذ يومها الأول، أن تهجر العقول وتستبدل بالرواد والعلماء والإعلاميين كادرًا مؤدلجًا يستنسخ الخطاب الإيراني بحذافيره. فرت الكفاءات، وشُرّد المثقفون، وصوروا الصحافة جرمًا، والفكر  الحر خيانة. هُدمت المؤسسات التعليمية لصالح دورات طائفية وشعارات خمينية لا تمت للهوية الوطنية اليمنية بصلة، وجرى استبدال مجتمع النخب وأصحاب المؤهلات بمليشيا تجيد التجنيد وتفريغ عقول الأطفال لتأهيلهم ليكونوا مجرد وقود لحروب لا تنتهي.


هذا الانقسام العميق لا يعكسه السجال السياسي فقط، بل تثبته حركة البشر على الأرض. فالأرقام والحقائق لا تكذب؛ إذ أصبحت المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية المعترف بها دولياً الملاذ الطبيعي والآمن لملايين اليمنيين الفارين من البطش الحوثي. وتشير أحدث الرصود الميدانية للمنظمة الدولية للهجرة إلى أن عدد النازحين في مناطق الحكومة ناهز 3.15 مليون شخص، استقرت غشاوة الأمان لـ 1.88 مليون منهم في محافظة مأرب وحدها، والتي جمعت بين المواجهة في الجبهات، ونبل الاستضافة كأكبر ملاذ لمن ضاقت بهم أرض الخوف الحوثية.


وفي المقابل، تحكي موجات الفرار المستمرة قصص الخوف المترسخ في نفوس المواطنين. فرغم اشتداد الأزمات، لم يُسجل فرار يمني واحد باتجاه مناطق سيطرة المليشيا، بل إن موجات النزوح تتضاعف مع كل تحرك عسكري لهذه الجماعة، كما حدث مؤخراً مع نزوح أكثر من 76 ألف شخص منذ يوليو 2026 إثر التصعيد الحوثي نحو الساحل الغربي. 

هذا الهروب الجماعي ليس مجرد توجس، بل هو استجابة طبيعية لسجل حافل بالجرائم؛ من تفجير لمنازل المخالفين، واختطاف وإخفاء قسري، وتضييق على الحريات العامة، وتجنيد إجباري للأطفال، وصولاً إلى فرض الجبايات ومصادرة الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
إن التصويت الفعلي الذي يمارسه اليمنيون اليوم ليس عبر صناديق الاقتراع، بل بأقدامهم. إنهم يفرون من النموذج الإيراني الطارد القائم على القمع والتجهيل، ويتجهون نحو أي بقعة تضمن لهم الحد الأدنى من الكرامة والأمان تحت مظلة الدولة. 

لقد أثبتت السنوات أن الحوثي لا يملك مشروعاً للبناء ولا قدرة على التعايش مع مجتمع حيّ، بل يحمل مشروعاً لدفن اليمن حياً تحت عباءة الولي الفقيه. وبين أرض يفر منها أهلها خوفاً، وأرض يلجأ إليها الأحرار بحثاً عن الحياة، تظهر الحقيقة الجلية: اليمن لن يكون إيراني الهوية، وستظل عقول أبنائه ونخبهم هي الرهان الحقيقي لاستعادة الدولة وهويتها الوطنية المسلوبة.